الصفحة 36 من 63

من جديد لأن هناك جهات داخلية وخارجية تطالب بعودة الشرعية وإطلاق سراح الرئيس ولكن لا تركز على عودة الرئيس نفسه إلى سدة الحكم، لقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعزل الولاة والقادة ويعاقبهم إذا تجاوزوا حدودهم ويقتص منهم ويخفض رتبهم من ولاة إلى رعاة الغنم عقابا لهم، ولقد عزل أعظم قائد عسكري في زمانه ألا وهو خالد بن الوليد سيف الله المسلول، وصاحب الكرامات وفتى العشيرة، والذي عقد له أبو بكر لواء محاربة المرتدين، عزله وهو يقول"إني لم أعزل خالدا عن سخطة ولا خيانة ولكن الناس فتنوا به فخفت أن يوكلوا إليه ويبتلوا به، فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع وألا يكونوا بعرض فتنة"وحاول البعض أن يحرك خالدا ضد عمر بن الخطاب، فما كان من خالد بن الوليد إلا أن يقول"والله لو أمر طفلا صغيرا لأطيعنّ"ولذلك نجد كثيرا من رؤساء الدول العربية خاصة يخافون من عزل بعض قادة العسكر والمخابرات خوفا من الانقلاب عليهم وتارة نجد صقور قادة المؤسسة العسكرية يسمحون للرئيس بعزل بعض القادة ولكن من باب المخادعة وذر الرماد في العيون، لأن الجنرالات أصناف، منهم أصحاب السلطة الفعلية وهناك ما هو دون ذلك، بل بعض قادة العسكر عاصر أكثر من رئيس جمهورية دون أن يزعزع من منصبه، والحاصل أن الإسلام لا يعترف لا بالوراثة ولا بالانقلاب ولا بالاغتصاب، قال ابن حجر الهيثمي رحمه الله"المتغلب فاسق معاقب لا يستحق أن يبشر ولا يؤمر بإحسان فيما تغلب عليه، بل إنما يستحق الزجر والمقت والإعلام بقبيح أعماله وفساد أحواله"وقال الباقلاني رحمه الله"فإن دفعونا وعقدوا لبعض موافقيهم فليس له إمامة ثابتة ولا طاعة واجبة وكنا نحن في دار قهر وغلبة"والشعوب الإسلامية جميع ديارها ديار غلبة وقهر واضطرار وأمر واقع، وذهب بعض العلماء إلى وجوب قتل المغتصب إذا قدروا على ذلك، لقوله عليه الصلاة والسلام"من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه"وفي حديث آخر"من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع"وفي رواية"فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر"والواجب أن تنصب محاكم شرعية لكل حاكم اغتصب السلطة أو قام بانقلاب على اختيار الشعب، سواء أكان الحاكم فعل ذلك مباشرة كما هو الحال في موريتانيا أو جاء الإنقلابيون عن طريق القوة والتزوير والإقصاء ورضي أن يكون واجهة رسمية وأبقى لهم السلطة الفعلية في الخفاء كما هو الحال في الجزائر، لأن قيام محاكم شرعية لمعاقبة المغتصب يوفر على الشعوب الفوضى والمحن، ولنا مثال حسن في محاكمة الذين حاولوا القيام بالانقلاب في تركيا فيما يسمى"محاكمة أرغينيكون"ويجب عدم الاعتراف ببناء شرعية سياسية إثر عملية انقلابية، كما حدث في الجزائر لأن كل ما حدث فيها جاء إثر انقلاب عسكري على جميع مؤسسات الدولة (الرئاسة، البرلمان والمجالس المحلية) من المجلس الأعلى للدولة إلى عهدتي بوتفليقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت