فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 92

? ثانيًا: السُنة:

الدليل الأول؛ ما في الصحيحين وغيرهما عن علي رضي الله عنه - في غزوة الفتح - قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد، فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب، قلنا: لتخرجن الكتاب، أو لتلقين الثياب) ، قال: (فأخرجت الكتاب من عقاصها، فأخذنا الكتاب فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حاطب، ما هذا؟ قال: لا تعجل علي، إني كنت أمرءًا ملصقًا في قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه صدقكم، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، وفي رواية: فقد كفر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) .

وهذه القصة تدل على أن الأصل في مظاهرة الكفار ومناصرتهم؛ هو الردة والخروج عن الإسلام، من ثلاثة وجوه:

الوجه الأول؛ قول عمر: (دعني أضرب هذا المنافق) ، وفي رواية: (فقد كفر) ، وفي رواية: بعد أن قال الرسول صلى الله عليه وسلم:

(أوليس قد شهد بدرًا؟) ، قال عمر: (بلى، ولكنه نكث وظاهر أعداءك عليك) .

فهذا يدل على أن المتقرر عند عمر رضي الله عنه أن مظاهرة الكفار؛ كفر وردة.

الوجه الثاني؛ إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم لما فهمه عمر، وإنما ذكر عذر حاطب.

الوجه الثالث؛ أن حاطبًا قال: (ما فعلت ذلك كفرًا، ولا ارتدادًا عن ديني، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام) ، وهذا يدل على أنه قد تقرّر لديه أيضًا أن مظاهرة الكفار؛ كفر وردة ورضا بالكفر.

فإذا كان هذا قد يظن في مثل صورة عمل حاطب رضي الله عنه، مع أنه قد خرج غازيًا مع الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه وماله مناصرًا له ومظاهرًا له على أعدائه المشركين، ولم يظاهر الكفار ولم ينصرهم بنفس ولا مال، ولكن احتمل عمله هذا فقيل فيه ما قيل، فكيف بمن ظاهر الكفار فعلًا وظاهرهم وأعانهم على المسلمين؟ لا شك أنه أولى بالأحكام المذكورة في هذا الحديث.

الدليل الثاني؛ ما رواه ابن إسحاق وغيره عن يزيد بن رومان عن عروة وعن الزهري عن جماعة سماهم قالوا: (بعثت لنا قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أسراهم، ففدى كل قوم أسيرهم بما رضوا، وقال العباس - وكان خرج مكرهًا مع المشركين في بدر: يا رسول الله قد كنت مسلمًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أعلم بإسلامك، فإن يكن كما تقول فإن الله يجزيك، وأما ظاهرك فقد كان علينا، فافتد نفسك وابني أخيك) .

فمع أن"العباس بن عبد المطلب"قد خرج مع قريش في قتالهم مكرهًا، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم حكم عليه بظاهره، وألحقه بالمشركين، فكيف يكون الحال فيمن ظاهر الكفار وناصرهم اختيارًا منه؟

ويدل على هذا أيضًا؛ ما رواه البخاري في صحيحه عن محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود قال: (قطع على أهل المدينة بعث فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي، وقال: أخبرني ابن عباس: أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سوادهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي السهم يرمي به فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب عنقه فيقتل، فأنزل الله: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} ) .

فانظر إلى إلحاقه بهم في الظاهر مع أنهم مكرهون، وما ذلك إلا لأن الأصل؛ كفر من عمل هذا العمل.

الدليل الثالث؛ ما رواه أبو داود وغيره عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله) .

فجعل من اجتمع مع المشرك وشاركه مثله، وإن لم يوافقه، فمن ظاهر المشركين وأعانهم ونصرهم على المسلمين أعظم من مجرد السكنى معهم ومخالطتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت