فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 92

فَصرَّحَ بِأنَّهُم مشركونَ بطاعتِهِم، وهذا الإشراكُ في الطاعَةِ، وإتِّباعِ التشريعِ المخالِفِ لِمَا شَرَعَهُ اللهُ تعالى، هو المراد بعبادة الشيطان في قوله تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) [سورة يس60 - 61] .

وقوله تعالى عن نبيه إبراهيم: يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا [سورة مريم 44] [أضواء البيان 4/ 83 و 3/ 440] .

وفي الدولِ الجاهليَةِ المعاصِرَةِ (المسماةِ بالعلمانيةِ) يتولى سلطةََ التشريعِ للخلقِ جهاتٌ متعددةٌ على رأسِها البرلمانُ حيثُ تَنُصُّ الدساتيرُ على أنَّه (يتولى مجلسُ الأمةِ سلطة التشريع) ويتولاهَا رئيسُ الدولةِ الذي له حقُ إصدار قرارات بقوانين حسبمَا تنص الدساتِيرُ، وهؤلاءِ المشرِّعُونَ مِن دونِ اللهِ قد جَعَلوا أنفسَهُم شركاءَ للهِ في ربوبيَّتِهِ ونَصَّبُوا أنفُسَهُم أربَابًَا للناسِ من دونِ اللهِ كَمَا دلّتْ عليهِ النصوصُ السابقةُ.

وعلى هَذا فَلا يَصِحُّ إسلام امرؤ إلا بتوحيدِ اللهِ في أُلوهِيَّتِه وربوبيَّتِهِ وأسمائِهِ وصفَاتِهِ وإفرادِهِ بالتشريعِ والحُكمِ.

فَمَن ادَّعَى أن لِأحدٍ منَ الناسِ سواءً - علماء أو حكام أو غيرهِم - حقُ التشريعِ من دونِ اللهِ أو معَ اللهِ فقد أشركَ مع اللهِ إلهًا آخر في حقِّ اللهِ وحدَه، وَكَفَرَ بِمَا أُنزِلَ مِن عندِ اللهِ، قالَ تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهًا وَاحِدًا لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) التوبة 31.

المبحث الثالث: كفر من سوَّغ إتباع غير شرع الله وابتغى حكم الجاهلية:-

قالَ ابن تيمية - رَحِمَهُ الله - ُ: (وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ أَسْقَطَ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ فَهُوَ كَافِرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى) [مجموع الفتاوى ج 8/ص 106] .

وقالَ: (وَقَدْ يَقُولُونَ: إنَّ الشَّرَائِعَ قَوَانِينُ عدلية وُضِعَتْ لِمَصْلَحَةِ الدُّنْيَا فَأَمَّا الْمَعَارِفُ وَالْحَقَائِقُ وَالدَّرَجَاتُ الْعَالِيَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: فَيُفَضِّلُونَ فِيهَا أَنْفُسَهُمْ وَطُرُقَهُمْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَطُرُقِ الْأَنْبِيَاءِ. وَقَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ) [مجموع الفتاوى 2/ 232] .

وقالَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَمَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ وَبِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَنْ سَوَّغَ إتباع غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ أَوْ إتباع شَرِيعَةٍ غَيْرِ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَهُوَ كَافِرٌ وَهُوَ كَكُفْرِ مَنْ آمَنَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَكَفَرَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:(إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا) ، (أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وأعدتنا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ) ) [مجموع الفتاوى 28/ 524] .

قالَ ابنُ حزم: (وأيضًا فلا فرق بين جواز شرع شريعة من إيجاب أو تحريم أو إباحة بالرأي لم ينص تعالى عليه ولا رسوله عليه السلام، وبين إبطال شريعة شرعها الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بالرأي، والمفرق بين هذين العملين متحكم بالباطل مفتر، وكلاهما كُفر لاخفاء به) (الإحكام) 6/ 31.

وقال أيضًا: (فإن كانَ يعتقدُ أنَّ لأحدٍ بعد موتِ النبيُ صلى الله عليه وسلم أنَّ يحرم شيئا كان حلالًا إلى حين موته عليه السلام، أو يحل شيئا كان حرامًا إلى حين موته عليه السلام، أو يوجب حدًا لم يكن واجبًا إلى حين موته عليه السلام، أو يشرع شريعة لم تكن في حياته عليه السلام، فهو كافرٌ مشركٌ حلالُ الدمِ والمالِ حكمهُ حكم المرتدِ ولا فرق.) (الإحكام) 1/ 73.

قلت: ومن سوَّغ إتباع غير شرع الله فقد ابتغى حكم الجاهلية، والذي يصرح بأنه لن يُطبق شرع الله ولن يحكم به فقد سوَّغ لنفسه ومن باب أولى لغيره إتباع غير شرع الله من أحكام وشرائع الجاهلية.

المبحث الرابع: حكومة حماس تُصرح بعدم تطبيق الشريعة الإسلامية:-

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت