فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 92

(ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) (القصص 62) ، وقوله تعالى (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) الأنعام 57 ويوسف 40، وقوله تعالى (أَلَا لَهُ الْحُكْمُ) الأنعام 62، وقوله تعالى (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) الأعراف 54، وقَوله تعالى (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) الشورى 10، وأكَّد اللهُ تعالى تفرّده واختصاصه بحقِّ وضعِ الأحكامِ لخلقِه بقولِه تعالى (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) الكهف 26.

فكيفَ بعد هذا كُلِّهِ يريدُ بَعضُ الخلقِ ممن طَغوْا وبَغَوْا وأَجرَموا يريدونَ أنْ ينازِعُوا الرَّبَ جَلَّ في عُلاهُ في الحكمِ، وهؤلاءِ المجرمونَ موجودونَ في كلِّ حقبةٍ وزمانٍ، يقولُ عزَّ مَن قائِل: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) . (الفرقان31) ، كيف أقدموا على ذلك الفعلِ وقد بيَّنَ اللهُ تعالى أن الأحكامَ لا تكونُ إلا حكم اللهِ تعالى أو حكم الجاهليةِ ولا ثالثَ لهُمَا، فقَالَ تعالى (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة 50) ، وقَالَ تعالى (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا) (الأنعام 113) ، إلى غير ذلك من الآياتِ التي تبيِّن اختصاصَ اللهِ تعالى بالحكم.

و توحيِدُ الإلوهيةِ يقومُ على أساسِ إفراد اللهِ تعالى بالطاعةِ والعبادةِ، وإفراد رسولِهِ صلى الله عليه وسلم بالمتابعةِ، فإنه المَبلِّغُ عن اللهِ تَعالى في شَرعِهِ وحكمِهِ، وإنَّ من أجلِّ العباداتِ التي فرضَها الله تعالى على عبادِهِ وأعظم ما يتقربونَ بِهِ إلى اللهِ تعالى الحكمُ بشرعهِ ومتابعةُ أمرِهِ والتحاكمُ إليه في كلِّ كبيرةٍ وصغيرةٍ.

عن عدي بن حاتم، رضي الله عنه ــ وكان نصرانيا فأسلم ــ: أنه سمع النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية «اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدًا، لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون» فقَالَ: إنا لسنا نعبدهم. قَالَ صلى الله عليه وسلم (أليس يُحرّمون ما أحَلّ الله فتحرّمونه، ويُحلون ما حرم الله فتحلونه؟) فقَالَ: بلى، قَالَ صلى الله عليه وسلم (فتلك عبادتهم) رواه أحمد والترمذي.

قَالَ الألوسي في تفسيرِ هذه الآيةِ (الأكثرون من المفسرين قالوا: ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم، بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم) أهـ.

وعن أبي شريح"أنه قَالَ له النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله هو الحكَم، وإليه الحُكْمُ"رواه أبو داود والنسائي.

قالَ شيخُ الإسلامِ ابْنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ أورَدَ بعضَ الآياتِ في وجوبِ التحاكُمِ إلى اللهِ ورسولِهِ: (وكما ذم المدعين الإيمان بالكتبِ كلِّها وهم يتركون التحاكمَ إلى الكتابِ والسنةِ ويتحاكمون إلى بعضِ الطواغيتِ المعظمةِ من دون اللهِ كما يصيب ذلك كثيرًا ممن يدعي الإسلام وينتحله في تحاكمِهم إلى مقالاتِ الصابئةِ الفلاسفةِ أو غيرِهِم أو إلى سياسةِ بعضِ الملوكِ الخارجينَ عن شريعةِ الإسلامِ من ملوكِ الترك وغيرِهِم (مجموع الفتاوى(12/ 339) .).

وقالَ الشيخُ مُحَمَّدُ بن عَبْد الوَهَّابِ - رَحِمَهُ اللهُ - في الناقضِ التاسعِ مِنْ نواقضِ الإسلامِ: (مَنْ اعتقد أن بعضَ الناسِ يسعُهُ الخروجَ عن شريعةِ محمدٍ كما وسع الخضرُ الخروجَ عن شريعةِ موسى عليه السلام فهو كافرٌ) اهـ.

ويقرِّرُ الشيخُ محمَّدُ بن إبراهيم - رَحِمَهُ اللهُ - (أن تحكيم شرع الله تعالى وحده هو أصل معنى شهادة أن محمدا رسول الله فيقول: وتحكيم الشرع وحده دون كل ما سواه شقيق عبادة الله وحده دون ما سواه، إذ مضمون الشهادتين أن يكون الله هو المعبود وحده لا شريك له، وأن يكون رسول الله هو المتبع المحكم ما جاء به فقط، ولا جردت سيوف الجهاد إلا من أجل ذلك والقيام به فعلا وتركا وتحكيما عند النزاع) ، (فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم، رسالة تحكيم القوانين ج12/ 251) .

وقالَ الشَّيخُ محمَّدُ بن إبراهيم آل الشيخ: وقد نفى الله سبحانه وتعالى الإيمان عمن لم يحكموا النبي صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهم، نفيا مؤكدا بتكرار أداة النفي وبالقسم، قَالَ تعالى (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) ، ولم يكتف تعالى وتقدس منهم بمجرد التحكيم للرسول صلى الله عليه وسلم، حتى يضيفوا إلى ذلك عدم وجود شيءٍ من الحرجِ في نفوسِهِم بقوله جل شأنهُ (بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ) ، والحرجُ: الضيقُ، بل لابدَّ من اتساعِ صدورِهِم لذلك وسلامِتِها من القلقِ والاضطرابِ، ولم يكتف تعالى أيضا هنا بهذين الأمرين، حتى يضموا إليهما التسليم وهو كمالُ الانقيادِ لحكمهِ صلى الله عليه وسلم، بحيث يتخلون ها هنا من أيِّ تعلقٍ للنفس بهذا الشيء ويسلموا ذلك إلى الحكمِ الحقِ أتم تسليمٍ، ولهذا أكدَ ذلك بالمصدرِ المؤكدِ، وهو قولهُ جل شأنهُ (تسليما) المبَيِّنُ أنهُ لا يكتفي ها هنا بالتسليم، بل لابد من التسليمِ المطلقِ، (رسالة تحكيم القوانين لمحمد بن إبراهيم آل الشيخ/ 6: 8) .

وقالَ الشَّيخُ أحمد شاكر رَحِمَهُ اللهُ في تعلِيقِهِ في تفسيرِ قولِهِ تعالى (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) : (فانظروا أيها المسلمون، في جميع البلاد الإسلامية أو البلاد التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت