ولهذا نقول: لا يشرع صيام شهر كامل إلا شهر الله المحرم وشهر شعبان، وما عدا ذلك فهو سرد الصوم وهو صيام الدهر، فمن صام من الشهر يومًا وأفطر يومًا فإنه يصوم خمسة عشر يومًا غالبًا، وهذا أفضل ممن يصوم الثلاثين كاملة، إلا في هذين الشهرين فصيامهما أفضل من صيام يوم وإفطار يوم، لظاهر الدليل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنما خص شهر الله المحرم بالصيام فيما يظهر من الأشهر الحرم ولم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه حث على صيام رجب أو ذي الحجة أو ذي القعدة إلا فيما جاء من التفضيل العام أو تخصيص يوم بعينه كصيام يوم عرفة، أو تفضيل عشر ذي الحجة. الذي يظهر والله أعلم لأن رجب يسبقه شعبان، وشعبان شرع النبي عليه الصلاة والسلام صيامه تهيئة لرمضان، وأما بالنسبة لرجب فإن رجب كان يعظم عند أهل الجاهلية فربما خففت العبادة فيه، ولم يرد الدليل عن النبي عليه الصلاة والسلام بشيء من التعظيم فيه بتخصيصه بصيام حتى لا يبقى من بقايا الجاهلية شيء من الإحداث في نفوسهم، فأزيلت العبادة لمصلحة إزالة التعظيم المغلظ الموجود في نفوسهم لشهر رجب. وكذلك لأن الإنسان ربما إذا صام في رجب، وصام في شعبان، عجز أو فتر أو ضعف عن رمضان فجعل صيام شعبان لقربه من رمضان، لأنه أظهر في التمرس والتعود على مواصلة الصيام حتى يصله برمضان. وأما بالنسبة لذي القعدة ولذي الحجة لأنهما أشهر الحج، وفي مشروعية ذلك كلفة، فالناس تسافر لأداء النسك والحث على ذلك ربما يكلف الناس ما لا يطيقون، أو ربما تطوعوا وتنفلوا في وقت حجهم، وكذلك فإن الشارع قد جعل في أيام الحج لمن لم يجد متعة الحج أن يصوم عشرة أيام، ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وذلك يتخلل هذه الأشهر فيكون في شهر ذي القعدة، وشهر ذي الحجة، فأراد الشارع في ذلك تخفيفًا وأن لا يكلف العباد أكثر من ذلك.