وكذلك في دعاء النبي عليه الصلاة والسلام عند الجمار ودعائه في عرفة، حيث كان يدعو النبي عليه الصلاة والسلام دعاء طويلًا في عرفة حتى سقط رداؤه عنه، وكان يدعو واقفًا، وكان يدعو على الراحلة. وهذه الأدعية ما جاءت ولا ثبتت عن النبي عليه الصلاة والسلام وذلك لاختلاف حاجة الناس، وحتى لا تكلف الأمة بما لا تطيق، ولهذا يؤتى بتفضيل العمل عامًا ليؤخذ الإنسان بما هو أيسر له، فلا يتعرض الإنسان لقنوط، ولو أن النبي فعل الصيام فقط وكان الإنسان عاجزًا عن الصيام لظن أنه حرم فضل العشر، ولو فعل الصلاة مجردة بأن قام عليه الصلاة والسلام لياليها كلها وأطال في ذلك لوجد الإنسان الذي يعجز عن قيام الليل أن الفضل فاته وأصابه شيء من القنوط. وفي مسألة الصدقة فمن الناس من هو غني ومن الناس من هو فقير، فإذا النبي عليه الصلاة والسلام تصدق وأكثر من الصدقة في العشر، وظهر هذا الفعل منه لكان فيه مشقة على الفقراء الذين لا يجدون من الأموال، أو ربما تكلفوا فأجحفوا في حق أنفسهم وفي حق أهليهم، لذا جاء الفضل في ذلك عامًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في قوله: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله) ، فالعمل الصالح داخل في عمومه ويدخل في ذلك الصيام.
كيف يتفاضل العمل في أيام العشر؟ نقول: يتفاضل في أيام العشر كتفاضله في غير العشر، فالصلاة أفضل من الصيام، والزكاة أفضل من الصيام، والصيام أفضل من العمرة، وغير ذلك بحسب ترتيب فضائل الأعمال الواردة في الشريعة. ولهذا نقول: إن الأصل في تفاضل الأعمال في الأزمنة والأمكنة بحسب تفاضلها من جهة الأصل في الشريعة، وما كان فاضلًا من الأعمال في خارج العشر فهو فاضل وأفضل من غيره مما كان دونه في غير العشر، وهكذا بحسب مراتب الأعمال. ومن وجوه معرفة الفاضل من الأعمال: أن ما كان له جنس واجب فهو أفضل مما لا جنس له واجب، وهذا يختلف عينًا، ويختلف أيضًا كثرة وقلة.