فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 159

ومن وجوه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم لو أراد أن يفعل جميع أعمال الخير والبر في عشر ذي الحجة لما أطاق قدرًا لكثرتها وتنوعها، فأعمال البر فيها جهاد، وفيها عمرة، وفيها صدقة، وفيها صلة رحم، وفيها صيام، فاجتماعها في مثل هذه العشر من الأمور المحالة، لقلة هذه الأيام وضعف قدرة الإنسان التي آتاه الله عز وجل إياها أينما كان. ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتفى بالتفضيل وأمسك عن تعيين عمل بعينه, لبيان مجموع فضل الأعمال في هذه الأيام، وحتى لا يستمسك بعمل واحد ويستغنى به عن غيره من سائر الأعمال، وهذه من السياسة الشرعية التي تظهر في عمل النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا. ولهذا نجد أن النبي عليه الصلاة والسلام في كثير من الأعمال يخفي عمله حتى لا يلتزم، لاختلاف حاجة الناس ومقاصدهم، وكذلك الكلفة عليهم، فالنبي عليه الصلاة والسلام يدعو في سجوده ويطيل، ويرفع يديه ويطيل, ومع ذلك لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في أكثر ما يفعله نص ينص بدعائه في سجوده إلا أشياء يسيرة جدًا من دعائه صلى الله عليه وسلم لا يوازي الزمن الذي دعا فيه. فالنبي عليه الصلاة والسلام: دعا على الصفا والمروة طويلًا ثلاثًا, ولم يثبت من دعائه حرفًا, وإنما ثبت عنه الذكر من الحمد والتهليل والتكبير، وهذا الإخفاء مع تكراره من النبي عليه الصلاة والسلام إنما هو لاختلاف حاجة الناس من جهة السؤال، فهذا يسأل الله الشفاء، وهذا يسأل الغناء من الفقر، وهذا يسأل كشف كرب وبلاء وغير ذلك من أنواع حاجات الناس، ولو جاء الدعاء في ذلك مخصوصًا لكان التزام الناس فيه ظاهر لمحبة الاقتداء. وكذلك في طواف النبي عليه الصلاة والسلام عند البيت لم يثبت أنه ذكر دعاء معينًا إلا ما جاء بين الركنين من قوله: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة) ، وما جاء من التكبير عند الحجر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت