وأما بالنسبة لضابط المودة بين الرجل وزوجته من أهل الكتاب فيقال: إن علاقة الرجل مع زوجته أمر فطري وقد فطر الإنسان على مودة الزوجة ومحبة الإحسان إليها, وهذا منفصل ومنفك عن أمر دينها, وكذلك من أمور الإحسان دفع الأذى, فإذا كان الإنسان المسلم مع الذمي والمعاهد الذي ليس بينه وبينه ميثاق كعهد الزواج؛ يحرم عليه أن يتعدى عليه, ويجب عليه أن يعصم ماله؛ فإن الزوجة في ذلك من باب أولى باعتبار العهد والميثاق الذي جعله الله جل وعلا بينهم، إذًا ما معنى الكراهة هنا بين الزوجين التي بينها الله سبحانه وتعالى بقوله: يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة:22] ؟ كيف تتحقق بين الرجل وزوجته من أهل الكتاب؟ يقال: إن علاقة الرجل بزوجته علاقة فطرية، وهي ما تقدم الكلام عليه من محبة الخير لها وعدم الأذية, كما يشترك في هذا أهل العهد والذمة وسائر الناس أنهم لا يلحقهم أذى, ولو لحقهم أذى في ذلك لوجب على أهل الإيمان أن يذبوا عنهم للعهد والميثاق الذي بينهم وبين أهل الإيمان, فإن الزوجة في هذا من باب أولى، أما الأمر الديني فإنهم لورود القوامة من الرجل كان هذا التشريع بخلاف العكس، ولو كان أمر المودة مطلقًا لأبيح لنساء أهل الإيمان أن يتزوجن من أهل الكتاب، فدل على أن المراد بذلك أن ثمة مرتبة دون تلك المرتبة وهي علو الرجل وقوامته على امرأته في نظام الإسلام، وبهذا نعلم أن من تزوج امرأة من أهل الكتاب على غير نظام الإسلام وقوامة الرجل على تلك المرأة أن ذلك من النكاح الباطل؛ كالذي يتزوج مثلًا على الأنظمة الغربية ونحو ذلك، فتكون المرأة منفصلة ومنفكة عن الرجل ولا قوامة للرجل عليها, هذا الذي يظهر لي -والله أعلم- أن هذا من النكاح الباطل, باعتبار الندِّية, ولا يوجد علو للمسلم على زوجه في مثل هذا الموضع.