ونحن نجد بشر المريسي وهو الذي قال بالحلول، ويتدين بذلك حتى أنه من تدينه إذا سجد وهو يرى أن الله عز وجل في كل مكان حال فيه، كان إذا سجد يقول: سبحان ربي الأسفل، لم يظهر معتقده ذلك في عصر الرشيد، وكان يتدين بذلك، ولما جاء المأمون أظهر عقيدته وتبعه على ذلك من جهال الناس من تبعه على هذا المعتقد الفاسد فحدثت الفتنة، ولكن لما أقام الله عز وجل في عصر الرشيد السلطان، وأقام حدود الله سبحانه وتعالى حمى الله عز وجل الدين من أمرين: الأمر الأول: أن بقيت العقائد والأفكار في نفوس أصحابها فلم تنشأ، فبقي المنافقون يظهرون وفاقًا ويضمرون نفاقًا، خوفًا من سطوة السلطان وقوة أهل العلم، ولهذا العلماء عليهم رحمة الله تعالى يشددون في أمر الردة، وخاصة فيما يتعلق بأمر الله جل وعلا، ولهذا قد ذكر القاضي في كتابه الشفاء عن أصبغ وهو من أئمة المالكية، وكذلك عن ابن حبيب أن رجلًا يدعى ابن أخ عجب لما أمطرت السماء في قرطبة قال: بدأ الخراز يرش جلده، فأتي به ورفع إلى أمر القضاء، وكان القاضي حينذاك من أئمة المالكية وهو موسى بن زياد واتفق جملة من الفقهاء على أن أمثال هذا الكلام لا يقتل به، وإنما يؤدب؛ لأنه لهو ولعب، وذهب إلى هذا جملة من الفقهاء كعبد الأعلى، وكذلك ابن أبي زيد وابن عيسى، ولكن انتدب أصبغ وابن حبيب من المالكية، فقالوا: هذا رجلًا يسب ربًا عبدناه، وما انتصرنا له، والله ليقتلن، فقام في الناس ابن حبيب وبكى، ثم رفع أمر ذلك إلى السلطان، وكان هو حينذاك عبد الرحمن بن الحكم، وكان هذا الرجل الذي تكلم عمته زوجة عبد الرحمن بن الحكم، وكان قريبًا من السلطان، دخل ابن حبيب على السلطان وبين له أمره، ولم تنفعه عمته، وهي زوجة السلطان، فأمر بقتله على قول ابن حبيب، وأمر بعزل موسى بن زياد؛ لأنه حابا الرجل لأجل زوجته، وهذا يفيد أمرين: الأمر الأول: أن السلطان قد يجهل جملة من أحكام الدين، ويجب في ذلك البيان.