من نظر إلى كلام الله جل وعلا وجد أن الله سبحانه وتعالى قد بيّن خطر الردة، ومطامع المشركين من أهل الكتاب وغيرهم في أمة الإسلام، وأنهم يفرحون بذلك، وأنهم يبثون الشبهات في أهل الإيمان، بل يقاتلون أهل الإيمان حتى يردوهم عن دينهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ولا نجد في كلام الله جل وعلا أمرًا معينًا وقضاءً بينًا في حال المرتد في الدنيا مع ظهوره في أمر الآخرة أن الله جل وعلا يحبط عمله في الدنيا، وأنه في الآخرة من الخالدين في النار، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:39] ، وهذا بإجماع العلماء ولا خلاف عندهم، وقد اتفقوا وأجمعوا على هذا الأمر.
وأجمعوا على أن من ارتد عن دين الله جل وعلا أنه حبط عمله على خلاف عند العلماء في حبوط العمل، هل يحبط عمل المرتد بمجرد ردته أم يحبط عمله إذا مات على الردة؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين، وهذه المسألة لها فروع جملة منها: إذا ارتد الإنسان ثم رجع إلى الإسلام، وكان حج قبل ذلك حال إسلامه الأول، هل حجه ذلك صحيح أم لا؟ اختلف العلماء في هذا الأمر، والأدلة في كلام الله عز وجل بين مطلق ومقيد، منها ما هو مطلق من غير بيان حد أمر معين، وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة:5] ، وجاء منها ما هو مقيد في قوله جل وعلا: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ [البقرة:217] ، فقيد الأمر بالكفر، ذهب إلى هذا المعنى بعض العلماء الذين قالوا: أن هذا الأمر مقيد بالموت على الكفر، ونص على هذا الإمام الشافعي عليه رحمة الله.