قد روى البخاري من حديث أنس بن مالك قال: (كان رجل من بني النجار كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ البقرة وآل عمران، ثم لحق بأهل الكتاب، فرفعوه، وقالوا: هذا كان يكتب لمحمد بن عبد الله، قال: ثم بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقصم الله عز وجل ظهره) إلى آخر الخبر. وفيه أنه لما لحق بأهل الكتاب رفعوه وقالوا: هذا كان يكتب لمحمد بن عبد الله يريدون بذلك تقليلًا من شأن دعوة الحق، وأن المقربين منها قد انتكسوا عن دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ورغبوا فيما هو دونها، فإذا كان هذا في المقربين والملاصقين لدعوة الحق وهم كتاب الوحي، فإن هذا لمن كان دونهم في المراتب من باب أولى. وقد بين الله جل وعلا أن من أعظم مطامع أهل الكتاب من اليهود والنصارى أن يردوا الأمة عن دينها، وأن ذلك أغلى أمانيهم، ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا [البقرة:109] ، والعلة في ذلك: حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ [البقرة:109] .
بيّن الله جل وعلا أن منية أهل الكتاب أن يرتد أهل الإيمان عن دينهم، وذلك حسدًا من عند أنفسهم؛ لما وهب الله عز وجل هذه الأمة من جملة فضائل يجدونها بينهم، فإذا كانوا لا يقيمون لأمر الله عز وجل وحكمه وزنًا، ولكلامه سبحانه وتعالى قدرًا، فحرفوا كلام الله عز وجل وطمسوه الذي يشهد بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فتجرءوا على كلام الله عز وجل حتى يثبتوا أنه لا حظ لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم بنبوة ولا رسالة ولا بقدر، فقاتلوه عليه الصلاة والسلام رغبة لمتاع الدنيا وحظوتها.