ومنهم من قال: إن هذا الأمر يبقى على إطلاقه، ومن نص على ذلك أنه يبقى على إطلاقه هو الإمام مالك عليه رحمة الله، ومن ثمرة ذلك قالوا: إذا أسلم الإنسان ثم ارتد ثم أسلم وكان حج قبل إسلامه الأول على مذهب الإمام مالك عليه رحمة الله بإطلاق الأخذ بالمطلق من غير النظر إلى المقيد في كلام الله عز وجل، فإنه يرى أنه يجب عليه أن يحج مرة أخرى، والصواب في ذلك أن حجه صحيح، إذا فعل ذلك مخلصًا، ولهذا قاله النبي عليه الصلاة والسلام في الرجل الذي أشرك مع الله عز وجل غيره، وفعل شيئًا من الأعمال، وهو متعبد لله عز وجل، مع ذلك قال عليه الصلاة والسلام: (أسلمت على ما أسلفت من خير) .والردة قد تقع من الإنسان مرات من حيث لا يشعر، ولكنه إذا وقع منه ردة وآب ورجع وازداد إيمانًا كان أقرب إلى الله عز وجل، وإذا تهاون في ذلك فإن هذا يجره إلى زيادة في الكفر والزندقة والبعد عن الله سبحانه وتعالى، ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا [النساء:137] ، أي: في المرحلة الثالثة يزداد الكافر كفرًا؛ لأن كفر الراجع أشد من كفره قبل ذلك، وهذا مشاهد أن من رجع عن دين الحق بعد أن كان على باطل قبل إتيانه للحق أنه يأتي بالباطل والمنكر من القول أكثر مما كان عليه، ولهذا صد الشارع أمر المرتد أعظم من صد الكافر الأصلي؛ لأنه أعظم خطرًا على دين الإسلام من الكفار الأصليين، لزيادته في الكفر والعناد، والأصل في ذلك أن الردة تكون مغلظة على خلاف عند العلماء عليهم رحمة الله تعالى في جملة من فروع هذه الكلام يأتي بيانه بإذن الله.