وهذا ظاهر أن الله سبحانه وتعالى حينما هدد المنافقين في كتابه العظيم، وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواضع عديدة، نفع فيهم التهديد، فخنسوا ولم يظهروا حال قوة الإسلام، ويعلم أن المنافقين وأحوال الردة لا تظهر إلا مع ضعف الإسلام، تقوى شوكة الشيطان فيظهر الشبه، وتقوى شوكة دعاة الباطل والحق، فيرتد من الناس الجهلة وضعاف العقول وكذلك المنافقون الذين يتربصون بالإسلام والذين يظهرون الوفاق ويضمرون النفاق، يظهرون الردة في حال ضعف الإسلام، كما أظهروها بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا بيّن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يقاتل الناس على حد سواء، ولم يعلق الأمر بالبلاغ فقط بقوله عليه الصلاة والسلام: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) ، فأضمر النبي عليه الصلاة والسلام الدعوة إلى الله تحت ستار المقاتلة، باعتبار أن المقاتلة هي أقوى ما يذعن الإنسان ويصقل القلوب ويزيل الغشاوة، ويبعد الشبهات، ويجعل الناس يذعنون للحق؛ لأن كثيرًا من الناس يلحقون بأسيادهم إذا قويت شوكتهم، فإذا قويت شوكة أسياد أهل البدع والضلال تبعهم السواد، ولهذا وجب على ولاة أمور المسلمين أن يقللوا من بروز أهل النفاق والردة، ويدفعوهم قدر المستطاع، وكذلك أهل الذمة ألا يظهروا بمظهر القوي المتنفذ في مجتمعات المسلمين.