إذا تحقق هذا وجب على الإنسان أن يأخذ بمراتب العمل، وأن يوطن نفسه على ذلك، وأن يعلم أنه قدوة يأخذ الناس بقوله ويهتدون بهديه من جهة العمل، وكثير من الناس بل عامة الناس يجهلون أن العالم لا يحتج لمذهبه بفعله، وإنما يحتج لمذهبه بقوله، وهذه قاعدة معلومة أن العالم ربما يخطئ أو يهم أو ينسى بفعله، فلا يلزم بذلك باعتبار أن هذا لا يمكن أن يكون من مذاهب العلماء، فإذا حكي عن عالم من العلماء أنه فعل فعلًا عارضًا على وجه الاعتراض، فإنه لا يلزم بذلك، ولا يقال: هذا من مذاهب ذلك العالم؛ وذلك لأنه قد يطرأ عليه من النسيان بخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه معصوم بقوله وفعله، أما العالم فإن ما يجري على لسانه من تقرير العلم هو المذهب الذي يلتزمه ويلزم به في أغلب الأحيان، وهذه قاعدة ينبغي التنبه لها. لهذا ينبغي للعالم أن يحترز عن كثير من مواضع الشبهات ولو كان محقًا، فإن الناس يقتدون به، لهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحترز من كثير من مواضع الشبهات ولو كان النبي عليه الصلاة والسلام محقًا في ذلك، ومن ذلك ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خبر الحسين بن علي، لما كان معتكفًا وزاره أزواجه فخرجن، وقال النبي عليه الصلاة والسلام لصفية: ابقي، وذلك أن بيتها عند دار أبي أسامة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ووراءه اثنان من أصحابه فناداهم النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: إنها صفية، فقال الرجلان من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام: (سبحان الله! أو أنت تقول ذلك يا رسول الله؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا) و في رواية: (شرًا) ، وهذا إنما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم اتقاءً للظنة ودفعًا للشبهة مع كونه على حق.