لهذا وجب على العالم أن يعرف مراتب الناس، وألا يأبه بأقوال الناس الذين يتهمونه بالاضطراب، وأنه تارة يفتي رجلًا من الناس بقول، وتارة يفتي رجلًا بقول يختلف عن ذلك القول، فهذا نوع من القصور ينبغي ألا يضر العالم، وألا يجعله يحجم في كثير من المسائل النازلة، وهذا ينبغي معه للعالم البيان والبلاغ، فإنه لا ينبغي للعالم أن يسلم عرضه للناس، بل عليه البيان وتقرير المسائل وبيان أحوالها ومراتبها حتى يفقه الناس.
وينبغي أن يعلم أن إفتاء العالم في المسائل النازلة يختلف عن تقرير المسائل، المسائل ينبغي أن تقر كما جاءت، وأما الإفتاء في المسائل النازلة فإن الإنسان لا يفتي في مسألة إلا وقد نزلت، فإن المسألة إذا نزلت يتغير رأي العالم، فإذا قرر العالم مسألة من المسائل التي لم تنزل في زمنه فإنه إذا نزلت سيضطرب وربما يقول قولًا يختلف عن قوله ذاك، وإذا نظرنا إلى أحوال السلف وجدنا أنهم ينهون عن المسائل المفترضة التي لم تنزل بعد، وسبب نهيهم عن ذلك أن المسائل إذا نزلت كان لها وقع في النفس يختلف عنه في حال الافتراض، فربما يفتي فيها العالم قبل نزولها بقول يختلف عن حال نزولها، لهذا يجب على العالم ألا يتكلم في مسائل النوازل إلا وقد وقعت حماية للدين؛ لأنه إذا تكلم في مسألة من مسائل النوازل ولم تنزل قبل ذلك فربما إذا نزلت تكلم فيها عالم بعد ذلك فاحتج أهل المعرفة أو عامة الناس على ذلك العالم الذي تكلم في تلك المسألة بقول عالم سالف لم تكن تلك النازلة في زمنه، فضربوا قول عالم تكلم في نازلة لم تنزل في زمنه بقول عالم آخر نزلت في زمنه فاختلف القول فيها، والقول الحق في ذلك للعالم العامل المتجرد المخلص الذي نزلت في زمنه، ويقدم على العالم العامل الذي لم تنزل في زمنه.