لهذا ينبغي للعالم أن يحترز من مواضع الشبهات، وذلك أن الناس يحملونه على ما يفهمون، وذلك أن العالم ينبغي أن ينظر إلى نفسه أنه عالم، وأن الناس جهال، وأن العالم يعرف حال الجاهل باعتبار أنه كان جاهلًا قبل ذلك فتعلم، فإن العالم أعلم بحال الجاهل من الجاهل بحال العالم، وذلك أن العالم كان جاهلًا فيعرف حال الجاهل، والجاهل لم يكن عالمًا قبل ذلك فيعرف حال العالم وعذره، فوجب عليه أن يحتاط لنفسه احتياط العالم للعالم، واحتياط العالم للجاهل، وأن يحترز من ذلك احترازًا تامًا، والنظر في أحوال النبي عليه الصلاة والسلام وتتبع أقواله وهديه في بلاغه للناس، وكذلك في عمله بما أمره الله جل وعلا به أن يبلغ الناس يجد من ذلك عجبًا، ويكفي أن الله سبحانه وتعالى قد جعل قدوة أهل الإيمان الحسنة هي برسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن المهمات في حق العالم أن يحترز عند المخالطة لغيره من الناس، فإن المتحقق في بلاغ الدين للناس أن يخالط العالم الناس بخلاف الجهال، الله جل وعلا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببلاغ الناس، والعلماء هم ورثة الأنبياء يتوجه إليهم الخطاب كما يتوجه لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمر والنهي، وذلك أن العلماء ورثة الأنبياء، كما أنهم ورثوا ذلك الوحي من جهة الامتثال فإنهم يرثونه أيضًا من جهة البلاغ، ويرثونه أيضًا من جهة العقاب عند التخسير، وذلك أن عقابهم عند الله جل وعلا أعظم.