كذلك أنه ينبغي للعالم أن يفتح مسامعه أيضًا لمن يتكلم في عرضه، وأن يعلم ما يقوله الناس فيه حتى في غيبته، ولكن يتحلى بحلية تختلف عن العامة، فإن العامة إذا بلغهم شيء مما يقال فيهم انتصروا لأنفسهم، أو تتبعوا أقوال الناس، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يستمع إلى ما يقال عنه، وكان من أصحابه من ينقل إليه ما يقوله الناس عنه، حتى من كان من المسلمين من أهل المدينة، ولهذا ترجم البخاري في كتابه الصحيح قال: باب من أبلغ صاحبه ما يقال فيه، وأسند فيه ما جاء في حديث أبي وائل عن ابن مسعود عليه رضوان الله تعالى قال: (قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم مالًا بين أصحابه، فقال رجل من الأنصار: والله ما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه القسمة وجه الله، قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغه ما قال به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تمعر وجهه، وجاء في رواية: وقد تمغر وجهه عليه الصلاة والسلام، فقال: رحم الله موسى، لقد أوذي أكثر مما أوذيت فصبر) .في هذا جملة من الوقفات للعالم، منها أنه ينبغي أن يقيس الأذى لا بذاته التكوينية التي تطيق أو لا تطيق، بل ينبغي أن يقيس الأذى بأهل العلم والمرتبة ممن سبقه من أهل الصدق والديانة، فإن العالم إذا قاس ذلك الأذى الذي يلحقه بمقياسه الفطري لنفسه، فربما لا يتحمل الإنسان شوكة، فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما سمع ذلك القول من أصحابه وبلغه إياه قال: (رحم الله موسى) تذكر أهل الفضل من أهل البلاغ، والذين أوذوا بهذا القدر من الأذية، وما قاس نفسه بأرباب الدنيا الذين لا يتحملون الأذى، بل ينبغي للعالم أن يقيس نفسه بأهل طبقته من أهل المعرفة والصدق.