كذلك ينبغي للعالم مع مخالطته للناس: ألا يصيره الناس بتوجيههم له بما يريدون، وينبغي للعالم أن يعلم أنه إنما يوجه الناس بأمر الله المتمحض، بحسب النظر الذي يعطيه الله إياه، فلا يؤثر عليه مجالس ولا مخالط ولو كان من أقرب المقربين من بطانته، وإنما ينظر بنور الله سبحانه وتعالى تجردًا محضًا، لهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يرشده بعض أصحابه من الخلص من أصحابه لبعض الرأي، وكان يخالفهم عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أراد بذلك رأيًا متمحضًا يريد بذلك إرضاء الله سبحانه وتعالى، فالنبي عليه الصلاة والسلام جمع بين الأمرين: الأمر الأول: أنه أصاب الحق الذي أراده الله سبحانه وتعالى. الأمر الثاني: أنه حفظ لمن له حمية في الدين من بطانته وكرامته، فلم يعنفه بما يقترحه عليه، أو ما يرشده إليه، أو ما يشدد عليه بأن يقوله أو يفعله، بل يخبرهم أن ذلك ليس من وجوه المصلحة، فيجد من أصحابه عليهم رضوان الله تعالى من يأخذ بظواهر الأحوال، فيأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء على سبيل الأدب أو يرشده إلى شيء رآه من وجوه الإرشاد، أو يستأذنه أن يفعل شيئًا من وجوه الأوامر الشرعية على سبيل العموم، لكن نوازل الأحوال تقتضي الإحجام عن ذلك، كما كان عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل بعض المنافقين، ووصف بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكفر، فكان النبي عليه الصلاة والسلام لا يعنف صاحب الحمية في الدين، ولكنه يخالفه في القول، وذلك أن الدافع لذلك هو حمية دينية، ينبغي ألا ينكر عليه في ذلك، ولكن ينبغي للعالم مع عدم إنكاره أن يخالف صاحب الحمية بما يريده الله جل وعلا؛ لأن العالم لديه من المعرفة والإدراك بخلاف من كان دونه.