وكذلك أيضًا ينبغي للعالم ألا يؤاخذ شهوده بحسب حميتهم الطارئة عليهم في دين الله، أو مخالفتهم في بعض الأحيان، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يخالف أصحابه مفاصلة حتى في أحلك الظروف التي تكون بينه وبين طوائف الشرك، فكان النبي عليه الصلاة والسلام أيام أبي جندل وأيام الحديبية يخالفه بعض أصحابه عليهم رضوان الله تعالى في بعض الرأي، فيأخذ بقول غيرهم عليه الصلاة والسلام، فيتبين لهم بعد زمن أن الحق مع النبي عليه الصلاة والسلام، ولهذا جاء في البخاري في حديث سهل بن حنيف عليه رضوان الله تعالى أنه قال: اتهموا رأيكم في دين الله، والله لقد رأيتني أيام أبي جندل لو استطعت أن أرد من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا لرددته، وهذا كان في مقام النبوة، ولكنه فيمن دونه يجب الاحتياط. لهذا ينبغي لعامة الناس أن يقدروا لأهل العلم نظرهم في نوازل الأمور، إذا تجرد العالم وكان من أهل التقى والعمل والإخلاص لله سبحانه وتعالى ممن لا يعرف له صبوة إلى شيء من متاع الدنيا، أو إرضاء أحد من الناس مقابل دين الله سبحانه وتعالى، فليعلم أنه إنما أراد بذلك شيئًا متمحضًا من إرضاء الله سبحانه وتعالى، فوجب أن يقدر له ذلك، ويجب أيضًا أن يقدر العالم أهل الحمية، فيكون بذلك موازنة فيصيب الحق الذي رآه، ولا يكون بينه وبين أهل العلم ممن يخالفه مفاصلة، وهذا نوع من السياسة لطيف، ينبغي للعالم أن يقدره بقدره. كذلك ينبغي للعالم أن يعرف مراتب المخالطين له، فإن هؤلاء المخالطين ممن يمثل العالم عند غيره، وكذلك ممن يؤثر عليه عند نفسه، فإنهم ممن يخوضون معه في الحديث فيؤثرون عليه في القول والفعل، وذلك ربما يكون دافعه حمية دينية، أو ربما يكون ذلك من الدخيل من أبواب الجهل فيقذفون بالجهل ويظنون أنه من العلم؛ لهذا وجب على العالم أن يحمي نفسه من عوارض الجهل، وكذلك أن يحمي نفسه من عوارض الدنيا حتى لا يتكلم بباطل ويظن أنه قد تكلم بحق.