كذلك ينبغي للعالم أنه إذا بلغ بقول يقال فيه ألا يستنكر على المبلغ قوله، وأن يعلم أن هذا ليس من النميمة، بل من الأمور التي ينبغي للعالم أن يتحملها، وأن يصبر عليها، فعلى المبلغ قوله، والكلام الذي يصل إلى العالم من سواد الناس ودونهم يختلف عن الكلام الذي يصل إليه عن عالم مثله، فذلك نوع من النميمة، وذلك نوع من معرفة أحوال الناس وعامتهم. كذلك أيضًا ينبغي أن يعلم أنه ربما يكون من سواد المسلمين من يقدح على العالم في بعض الرأي، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان من أصحابه من قدح عليه في بعض رأيه، كما قال هنا في هذا الخبر: قال رجل من الأنصار ممن يصنف أنه من الأنصار، يعني: ممن ناصر رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وجه الله، فصبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومنها أيضًا: أن النبي عليه الصلاة والسلام تغافل عن ذلك البغي في حقه عليه الصلاة والسلام، وقال حينما تمعر وجهه عليه الصلاة والسلام: (رحم الله موسى، لقد أوذي أكثر مما أوذيت فصبر) ، النبي عليه الصلاة والسلام تمعر وجهه إشارة إلى الأذية النفسية التي طرأت عليه وأنه ينبغي للعالم أن يتحمل. كذلك أيضًا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: (أوذي موسى أكثر مما أوذيت) أي: أنه قاس ذلك الأذى بالعلية والصفوة ممن كانوا في درجة النبوة فصبروا، فينبغي أن يصبر النبي عليه الصلاة والسلام على هذا القدر من الأذى، كذلك ينبغي لمن سمع كلامًا في عالم له أثر في سياسته مع الناس، وله أثر أيضًا في بلاغه وتعليمه للناس أن يبلغه إياه بحكمة وعقل من غير دس لغل أو حقد في ذلك، وكذلك أن يعرف لأمثال هذه الأقوال مراتبها ودرجاتها حتى يكون من أهل التجرد والصدق، حتى يبلغ الأمر في دين الله سبحانه وتعالى، ويكون في ذلك عونًا.