لهذا وجب على الإنسان أن يزن هذه الأمور بميزان قسط حتى ينصف مع الله جل وعلا، وينصف مع نفسه، وينصف مع المخاطبين، والمفاصلة في توجيه الخطاب بعدم توجيه الخطاب للناس عامة نوع من القصور، فينبغي للعالم أن يخوض في مجالس الباطل بالحق، وكذلك أن يشهد أنواع مجالس أهل الدنيا ببيان الحق، والتقلل من الضرر اللاحق لدينه، وأن يخوض مع سواد الناس على الأغلب؛ لأنهم الأكثر من الناس، وهم المخاطبون لأن الأمر يتعلق بنجاة الناس يوم القيامة، وهذا يتعلق بسواد الناس لا بالأفراد، لهذا النبي عليه الصلاة والسلام قاتل سادات قريش وحظي بكثير من سواد قريش فدخلوا معه الإسلام، ولهذا ينبغي للإنسان أن يوازن في هذا الأمر باللين في الخطاب مع أهل السيادة والرفعة طلبًا لتأليف قلوبهم ودخولهم في الإسلام واتباع الحق، فربما كان التعنيف في مخاطبة العلية مجلبة للتكبر عن الحق وعدم اتباعه، واتباع الباطل وسلوكه، والحيدة عن طريق الحق، وهذا من المفاسد العظيمة التي لا يدركها الإنسان.
كذلك من المسائل المهمة التي ينبغي للعالم أن يسوسها في نفسه، وكذلك أن يسوسها مع غيره أن يدرك أنه ربما امتزج حظ نفسه مع إرضاء الله ودينه، وينبغي للعالم في أمثال هذه الأمور أن يتجرد من حظ النفس فلا ينتقم لها، وذلك أن العالم يحمل دين الله جل وعلا، وخصومه ربما يبغون عليه بالوقيعة في عرضه، بالطعن فيه وسبه، أو الوقيعة في شيء من دنياه، أو تعييره، أو القدح فيه، أو في أهله ونحو ذلك، فربما يمتزج حظه لدينه مع حظه لدنياه، فيريد أن ينتصر لدينه فينتصر لدنياه، وربما يريد أن ينتصر لدين الله جل وعلا فيتكئ على قاعدة من انتصاره لدنياه، ويتلفظ بألفاظ النصرة للدين، لهذا ينبغي للعالم أن يتزن في هذا، لهذا ينبغي في الخطاب اللين والرفق، وأن ينحي الإنسان حظ الدنيا وحظ الذات وأن يريد أن ينقاد الناس لدين الله جل وعلا.