يوسف عليه السلام بغي عليه بغيًا عظيمًا، وابتلي بلاءً عظيمًا، وأودع السجن من غير جريرة عليه الصلاة والسلام، فلما لبث في السجن بضع سنين، فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ [يوسف:50] ، ابتلي هذا البلاء، ووقع الضرر عليه في نفسه، وحرم من حريته التامة، وامتزج هذا مع الضرر الواقع على النفس، والضرر الواقع على الدين من عدم التمكين بالبلاغ بأمر رب العالمين، وتصديق حق الله سبحانه وتعالى، وإذا كان الإنسان في مثل هذا الموقف فربما حاد ولم يلن، ولهذا قال يوسف عليه السلام متجردًا لحق الله جل وعلا، قال: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ [يوسف:50] ، ما سب العزيز، وما وقع في امرأته التي هي السبب في أذيته، وإنما ألمح من بعيد؛ لأنه يريد نصرة الحق، قال: مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ [يوسف:50] ، وهؤلاء النسوة هن مدفوعات مكرهات، وقد جلبن من أرجاء المدينة، حتى يرين يوسف عليه السلام، فلما رأينه أكبرنه عليه السلام والدافع لذلك هي امرأة العزيز، وما قال: اسأله عن امرأة العزيز، وإنما سأله عن النسوة اللاتي قطعن أيديهن؛ لأن ذلك كافٍ في معرفة الحق؛ لأن الوقيعة في امرأة العزيز يأنف منها الملك، فأنصف يوسف عليه السلام، لينتصر دين الله جل وعلا، فلم ينتقم لنفسه ممن بغى عليه؛ لأنه يحمل دين الله جل وعلا كما يحمل بين جنبيه نفسه، ولا يعيش لنفسه، فالعالم يعيش لدين الله سبحانه وتعالى.