في أبواب المخالطة للناس ينبغي للعالم أن يعرف مراتب الناس وأحوال الناس في درجاتهم من أهل الخير، وأن يعرف كذلك مراتب الناس من جهة الفضل حتى ينتقي العالم لنفسه الخلص من أهل المعرفة وأهل الصدق وأهل الديانة، وأن يسبر أحوالهم، لهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرب الجميع، ولكنه لا يتخذ بطانة إلا أهل الصدق والديانة والمعرفة والإخلاص، فكان من حول النبي عليه الصلاة والسلام أبو بكر و عمر و عثمان و علي بن أبي طالب، والعشرة المبشرون بالجنة من خيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه لسعة خلقه وإحاطته بسائر الناس كان يدني سائر الناس حتى من المنافقين، كان يدنيهم عليه الصلاة والسلام، لماذا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يريد للأمة الخيرية التامة، فمن هؤلاء من هو صاحب شر محض تكفى به الأمة شرًا، وهذا باب عظيم من الموازنة لا يدركه كل أحد، ومن قال بأن العالم له سياسة تتفق مع سائر الناس حتى مع عامة الناس والجهلة بالمفاصلة بين أهل الخير وأهل الشر فهذا نوع من أنواع القصور، فإن النبي عليه الصلاة والسلام مع تحقق العلم التام عنده بالمنافقين بأسمائهم وأعيانهم، إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام مع ذلك كان يقرب جملة منهم، وعامة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكونوا ممن يعرف هؤلاء بعينهم، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتذمرون من بعض أفعال المنافقين، والنبي عليه الصلاة والسلام يعرف حالهم تمامًا، فكان عليه الصلاة والسلام يأمر أصحابه بالكف عن بعض القول دفعًا لمفسدة تطرأ وجلبًا لمصلحة عظمى للأمة، وذلك أن العالم له من السياسة والنظر ما ليس لغيره، لهذا وجب على العالم أن يحتوي الناس، ويجب على العالم أيضًا مع احتوائه للناس ألا يتخذ بطانة إلا من أهل الصدق والديانة، فمع تقريبه لسواد الناس يتخذ بطانة من أهل الصدق، لهذا من