كذلك من الأمور المهمة: أنه ينبغي للعالم أن يلتمس العذر للمخالفين من أهل العلم، ما وجد لهم في ذلك سبيلًا، وأن يعرف مراتب الخلاف مع أهل العلم، وأن يعرف أن للحق دوائر تتباين كبرًا من جهة الحجم، فالعالم يكون معه في حياض العلم طائفة، ويكون معه من أهل العلم طائفة أخرى في دائرة أبعد من تلك الدائرة حتى يستحكم الشر في الناس شيئًا فشيئًا حتى يكون هنالك الشر المحض، فوجب على الإنسان أن يعرف مواضع الخيرية في الناس، فيقدر للناس قدرهم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف للناس قدرهم، ولم يكن النبي عليه الصلاة والسلام يعنف المقربين من أصحابه كأبي بكر و عمر و عثمان و علي عند من فيه شر من المنافقين وغيرهم، وإنما كان النبي عليه الصلاة والسلام يخصهم بعتاب، ويخصهم بإعراض بنوع من أنواع التخصيص، كذلك ينبغي للإنسان أن يدرك مواضع الزمان، ومواضع المكان، ومواضع الأشخاص، ومواضع المسائل، فهذه أمور أربعة لابد أن تتوفر للعالم من جهة الإدراك، وفي كل باب درجات متباينة كما بين أبواب العلم من تباين، فالأزمنة تتفاوت من جهة الشر المستحكم فيها، كذلك المسائل المنظورة تتفاوت من جهة إلزام الشارع بها، وكذلك أيضًا الأشخاص يتباينون من جهة قبولهم للحق وعدمه، وكذلك بمقامهم من جهة الناس، كذلك توجيه الخطاب والمكان يتفاوتون من حال إلى حال، فيجب على الإنسان أن يقدر لهذه الأمور مراتبها حتى لا يحيف في البلاغ، وأن يحترز لذلك، وأما من يرمي بالحق كيفما اتفق، ولا ينظر لمراتب الناس وأحوالهم، ومراتب المخاطبين، فإن هذا نوع من أنواع القصور في السياسة، وربما كثير من أهل القصور في الفهم يظنون أن كل من حمل نصًا من النصوص الشرعية أصاب حقًا أينما أنزله، وأن من ادعى الرجوع إلى شيء من المقاصد الشرعية أصاب حقًا أينما أنزله، هذا الأخذ به على الأغلب نقص كما تقدم الإشارة إليه، الأصل الأخذ بالنصوص وإنزالها على