قال: إني رسول الله إليكم بين يدي عذاب أليم فكذبه من كذبه، وقال أبو لهب: تبًا لك، ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله جل وعلا فيه سورة تتلى إلى يوم القيامة)، والشاهد من ذلك أن الله جل وعلا قال فيه سبحانه وتعالى: سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ [المسد:3] ، ختم الله جل وعلا عليه خاتمة سابقة لأجله، والأصل في البشر أنه لا يحكم لأحد بجنة ولا نار حتى يختم عليه بذلك ويتيقن الإنسان من ذلك، ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين وغيرهما: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) ، أما أبو لهب فسبق عليه الكتاب قبل حضوره الأجل، وقبل ذلك الذراع لهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان يوجه إليه الخطاب، ويأمره بالتوبة، ويأمره بالرجوع والمخاطب كفار قريش، وقاتل النبي عليه الصلاة والسلام أبا لهب ويعلم أن مصيره النار، وهذا ليس من التكليف بما لا يطاق، وإنما المراد ما هو أبعد من ذلك، ولهذا ما يقوله بعض أهل الأصول وأهل الكلام أن هذا نوع من أنواع المخاطبة بما لا يطاق، أو التكليف بما لا يطاق، فهذا نوع من أنواع الجهالات، بل هو تكليف بما يطيقه غيره، والمخاطب به غيره، لهذا العالم قد يوجه خطابًا لشخص ويريد به الأتباع، أو يوجه خطابًا لشخص بعينه ويريد به من حوله. ولهذا القاعدة التي تقول: إن الإنسان لا يذكر إلا من يتذكر، فيها نوع قصور، فقد يذكر من لا يتذكر لحكمة بالغة ويعلم المخاطب أنه يريد غيره، لهذا وجب على العالم أن يعرف أحوال الناس ومراتبهم من جهة القدوة فإن القدوة يخاطبون بخطاب يخالف غيرهم.