الناس إلا في المسائل التي يتمحض فيها المصلحة، والأصل في ذلك أن المصالح تدور مع النصوص وجودًا وعدمًا، والمصالح شرعية مرئية فيما لم يرد فيه نص، والأمور تقدر بقدرها، والعالم في ذلك ينبغي عليه أن يصون نفسه من دنس الدنيا وحظوظها. ينبغي للعالم في أبواب المخالطة ألا يلزم نفسه بمخالطة طائفة بعينها، وإنما يخالط الناس جميعًا، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يخالط سواد الناس؛ لأن أكثر الناس هم البسطاء والمتوسطون من سواد الناس، وإن نقده العلية من كبراء قريش بأن الذي اتبع النبي عليه الصلاة والسلام هم الأرذلون، وإن زعموه عيبًا فليس بعيب، فينبغي للعالم وإن كان من أهل العلية في النسب كحال النبي عليه الصلاة والسلام وإن كان من أهل العلية في العلم كمقام النبوة عليه الصلاة والسلام ينبغي ألا يأنف من مخالطة سواد الناس، كذلك أن يكون لأهل الدنيا نصيب فيخالطهم بتذكيرهم بالله جل وعلا، وأن يعلم أن الإنسان يتأثر بالمخالطة كسائر المخاطبين وسائر الناس، وأن الإنسان إذا خالط أرباب الدنيا وجعل لهم نصيبًا من مجالسه أكثر من أهل الدين والمعرفة وأكثر من سواد الناس الذين ليس للدنيا نصيب في نفوسهم أن هذا يؤثر في دينه شيئًا فشيئًا، وذلك أن الإنسان إذا تكلم في شيء من مسائل الدين يستحضر المخاطبين، فإذا كان يكثر الخوض مع أهل الدنيا أو أهل الجاه، أو أهل السلطان، أو أهل الفقر، أو أهل التوسط من الناس فإنه يستحضرهم أمامه، فيحيف بحسب إدراكه للمخالطين أمامه؛ لأن للإنسان بصرًا وله بصيرة، والبصر له أثر على البصيرة، فتحيف بالإنسان يمنة ويسرة من حيث لا يشعر الإنسان.