فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 59

ومن تأمل أبواب الموازنة التي كانت في زمن النبي عليه الصلاة والسلام يجد أن النبي عليه الصلاة والسلام يدفع مصالح عينية وقضايا عينية لتحقيق مصالح عظمى، وهذا هو الأغلب، وأما عكس ذلك بأن يدرأ العالم مصالح عظمى لتحقيق مسائل شرعية عينية، فهذا من البغي والعدوان، وهذا من دقائق الترجيحات في مسائل الديانة، وبه يعرف العالم الصادق الذي همه دين الله جل وعلا من العالم الذي همه حظ من حظوظ الدنيا، فإن العالم إذا مال إلى شيء من حظوظ الدنيا وركن إليها فإنه يقدم حظه، ويدعي بذلك أنه أراد إرضاء الله سبحانه وتعالى. الأصل في أبواب الموازنة أن العالم يدرأ مسألة عينية تحقيقًا لمسألة عظمى، ولا يدرأ مسألة عظمى لجلب مسألة عينية أو قضية عينية، ومن نظر في ذلك وجد هذه القاعدة شبه مطردة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك أيضًا في أزمنة العلماء بعده في المسائل النازلة، كذلك في قول النبي عليه الصلاة والسلام لعمر: (أتريد أن يتحدث الناس) ، وفيه أنه ربما يكون بعض أهل العلم والصدق والمعرفة ممن يكون قريبًا من العالم لكنه لا يدرك ما يدركه العالم، فينبغي له أن يبين له وجه الرجحان، وأن التغليظ على أهل الحمية الدينية وأهل الصدق لدين الله جل وعلا هذا ليس من نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ينبغي التلطف بالخطاب، فإن الدافع لذلك حمية دينية، وكذلك بيان المصلحة والقاعدة الشرعية، وأن تعنيف الناس وتعنيف أهل الصدق وزجرهم بأنهم لا يعرفون الغايات، ولا يعرفون المصالح، ولا يدركون المآلات وتسفيه أحلامهم أن هذا ليس من منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء، بل ينبغي له أن يحتوي الناس، وأن يتلطف معهم، وأن يدنيهم، وأن يبين لهم أن قصورهم في بلوغ تلك الغايات التي يدركها ليس بمنقص من مقامهم في دين الله، ولا من حميتهم، وأن لديهم من الغيرة والحمية ما يدفعهم إلى قول الحق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت