ولهذا ينبغي للعالم أن يحترز في مسائل النوازل، ليس حماية له بل حماية للدين، حتى لا يذم الدين، ولا يتنقص أهل العلم والمعرفة، ولو كان بعد ذلك؛ لأن العالم لا يعيش لزمنه فقط، بل يعيش للأزمنة المتتالية، ولو جاءت بعد قرون مديدة، لهذا وجب على العالم أن يصون لسانه من الخوض في كثير من المسائل حتى لا تنقل عنه فيقدح في أهل العلم، ويقدح في أهل الديانة وأهل المعرفة والصدق، وينسب ذلك إلى أهل العلم، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحجم ربما في بعض الأحيان عن بعض الحق، خوفًا من باطل عظيم يدفع حقًا آخر هو أعظم من ذلك الحق الذي أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يقيمه، لهذا النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل أحدًا من المنافقين في المدينة، وعلل ذلك بقوله لعمر: (أتريد أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) ، وفي قول النبي عليه الصلاة والسلام ذلك لعمر قاعدة عظيمة، وهي أنه ينبغي للعالم أولًا أن يعرف أحوال الناس فيما يتحدثون به ولو كانوا عن بعد، وهذا من المسائل الدقيقة، لذا ينبغي للعالم أن يكون من أهل اليقظة والمعرفة بما يقوله الناس، ولو كانوا من أهل البعد. والنبي عليه الصلاة والسلام ما قال ذلك إلا وقد وصل إلى سمعه شيء من هذا، وهذا فيه فوائد جليلة يأتي الكلام عليها، فرسول الله صلى الله عليه وسلم درأ مصلحة قائمة بمصلحة عظمى تأتي وهي انتشار الدين خشية أن يدفع ذلك بمفسدة وهي أن ينتشر باطل ويسري في الناس، فيدفع مصلحة أعظم من إقامة تلك المسألة العينية، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قصد مسألة عظمى.