ولدينا مصلحة في ذلك راجحة وهي الحفاظ على شيء من دين هذا الرجل حتى لا يخرج عن الإسلام، فأقر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل على الإسلام على ألا يصلي إلا صلاتين، وكان ذلك عام الوفود، وعام الوفود كان في آخر زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد استقرار الأحكام، وثبوت الأدلة أصولًا وفروعًا وأخلاقًا، فمن أراد أن يعمل الأدلة العامة الواردة والنصوص في كل قضية على الأغلب فإنه يوفق للصواب على الأغلب، ولكنه إذا استعملها على الاطراد فإنه يخطئ في بعض النوازل؛ لأن العالم الحق ينظر بنور الله، ويهتدي بهديه، وهمه في ذلك أن يعرف الناس الصواب ويدركونه وأن يعرفوا الخطأ؛ فإن الإنسان إذا دخل الإسلام مع إقراره بالصلوات الخمس، لكنه لا يؤدي إلا صلاتين خير ممن لا يدخل الإسلام ويبقى على وثنيته، فإدراك أحوال المخاطبين هو فرع عن معرفة الصواب في إنزال النصوص، ولهذا الإمام أحمد عليه رحمة الله كما ذكر القاضي ابن أبي يعلى حينما جاءه رجل، وقال: إن أبي أمرني أن أطلق زوجتي، قال له: لا تطلق، قال: إن عمر أمر ابنه عبد الله بن عمر أن يطلق زوجته. قال: حتى يكون أبوك كعمر، وذلك أن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى حاله تختلف عن حال المخاطب، فربما كان أبوه له حظ من حظوظ الدنيا، فعمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى من أهل الصدق، فلا يأمر ابنه أن يطلق زوجته إلا ولديه من العلم والمعرفة من خبايا أحوالها ما يريد أن يصون بيته وبيت ابنه مع ستر لها، فأمره بطلاقها فطلقها بخلاف غيره من الناس ممن له حظوظ من الدنيا.