ولهذا قد جاء في الصحيح من حديث الأسود عن عائشة عليها رضوان الله تعالى قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه الرجل فيأذن له ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: ائذنوا له، بئس أخو العشيرة) ، وجاء في رواية: (بئس ابن العشيرة) ، فلما دخل عليه ألان النبي عليه الصلاة والسلام معه الخطاب، قالت عائشة عليها رضوان الله تعالى: (يا رسول الله! لقد قلت ما قلت وألنت معه الخطاب، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه) ، من تأمل هذا الخطاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أن العلم يتفاوت مع كون عائشة هي الصديقة بنت الصديق ومن أهل المعرفة بالوحي، إلا أنها استنكرت من أول أمرها ما ظهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنه تكلم في الرجل في حال مغيبه، ثم ألان معه الخطاب في حال شهوده، وذلك أن هذا الرجل ممن يتسلط باللسان، ويذكر من حال الشخص ما يبغي عليه عند الآخرين، وهذا ينبغي للإنسان أن يحترز معه بخلاف الاحتراز من غيره، وهذا الاستنكار من عائشة عليها رضوان الله تعالى فيه إشارة إلى أنه ينبغي للعالم أن تكون سياسته بتعامله مع الناس على السواء، أنه لا يتكلم في الناس في حال غيبتهم إلا بما يتكلم به في حال شهودهم، إلا عند الندرة، ولهذا عائشة عليها رضوان الله تعالى رأت أن هذا الفعل يختلف عما عهدته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان من النبي عليه الصلاة والسلام أن جامل ذلك الرجل مجاملة محمودة، وذلك حتى يدفع الشر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوقوع في عرضه، وهذا لا يمكن أن يتحقق للإنسان إلا بتجرد الإنسان لله سبحانه وتعالى، وخلوصه لله، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يبلغ هذه المنزلة بمعرفة هؤلاء الناس، ومعرفة كثير من مسائل العلم وأفرادها، وتنزيلها على كثير من أفراد الناس إلا بالالتجاء إلى الله جل وعلا أن يوفقه للحق والصواب، ولهذا كان النبي عليه الصلاة