أولًا يقال: إن أهل الفلك وأهل الحساب في الجاهلية وفي صدر الإسلام لم يكونوا يعتنون بحساب الأهلة حتى ربط النبي صلى الله عليه وسلم الصيام بالهلال، بعد ذلك اعتنى أهل الحساب بذلك؛ لأن معرفة دخول الهلال وانصرامه عند أهل الفلك مسألة ظنية وليست مسألة قطعية، وإلى هذا ذهب غير واحد من علماء الفلك كابن سيناء وكذلك الفارابي والكندي وغيرهم من العلماء، وقد صنف ابن سيناء كتابًا في ذلك سماه النكت في إيضاح خطأ أهل الفلك، وكذلك قد صنف الفارابي رسالة في ذلك، وكذلك لابن قتيبة عليه رحمة الله تعالى رسالة في هذا وسماها إبطال أحكام الفلك، وبين عليه رحمة الله تعالى الأخطاء الواقعة عند أهل الفلك في هذا الباب، وعلم الفلك ليس بحادث؛ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام أشار إليه بقوله: (نحن أمة أمية لا نقرأ ولا نكتب) .وقد يقول قائل: النبي عليه الصلاة والسلام قد علق الحكم بعلة والعلة قد زالت، وهذه الأمة لم تبق أمة أمية بل صارت تحسب، ويقال: الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا، فلما تزول هذه العلة يزول معها الحكم ويرجع الناس إلى الحساب إذا كان الناس أهل حساب، ولكن يقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام لما علق الحكم بهذا الأمر لم يعلقه بأن الأمة أمة أمية، ولكن يقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام علق الأمر بعدم معرفة الحساب، وعدم معرفة الحساب هو عام عند جل الناس لا يحسبون ولا يعرفون منازل الأجرام والأنواء والنجوم والكواكب والفلك، وإنما يعرفها الخاصة وهذا ما قصده النبي عليه الصلاة والسلام، ثم إن الأمة قد أطبقت وأجمعت من الصدر الأول من الصحابة والتابعين وأتباعهم على عدم الاعتداد والأخذ بعلم الفلك بمعرفة دخول الشهر وانصرامه.