الترجيح:
الخلاف في هذه المسألة مبني على الخلاف في مسألة أخرى، وهي هل حد القذف حق لله تعالى أو حق للآدمي المقذوف؟ وعند التأمل نجد أن فيه حقين، حقًّا لله تعالى من حيث إن عقوبة القذف عقوبة مقدرة، وكون القذف يشكل اعتداء على المصلحة العامة، وفيه إثارة للفاحشة في المجتمع، وفيه حق للآدمي من حيث إنه اعتداء على عرض وسمعة المقذوف، ومن هنا يمكن القول بأن الراجح -والله أعلم- بأن القاذف إن كان معروفًا بكثرة جرائمه، وسلاطة لسانه على الناس لم تجز الشفاعة له، وإن كان لا يعرف عنه ذلك جازت الشفاعة·
يختلف حكم الشفاعة في التعزير بحسب نوع العقوبة التعزيرية:
النوع الأول: التعزير الذي يتعلق بحق الآدمي مثل تعزير من ضرب غيره أو شتمه أو قذفه بغير الزنا، وقد اتفق الفقهاء على جواز الشفاعة في هذا النوع من التعزير (2) ، ونص بعض الفقهاء على استثناء من عرف بالشر وكثرة أذى الناس (3) ·
واستدلوا بما يأتي:
1 -قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أقيلوا ذوي الهيئاتٌ عثراتٌهم إلا في الحدود) (4) ·
وجه الاستدلال: أن الحديث صريح في جواز العفو والإقالة في عقوبة التعزير، وهذا يقتضي جواز الشفاعة والواسطة (5) ·
2 -قياس الشفاعة في التعزير المتعلق بحق الآدمي على العفو فيه، فيكون جائزًا مثله (6) ·
النوع الثاني: التعزير الذي يكون لحق السلطنة (الحق العام) ومثاله: تعزير المختلس من المال العام، وتعزير المزور والغال من الغنيمة ونحو ذلك، وقد اختلف الفقهاء في حكم الشفاعة في هذا النوع على قولين:
القول الأول: جواز الشفاعة فيه:
وهو مذهب الحنفية (1) ، والمالكية (2) ، ووجه عند الشافعية (3) ، واحتمال في مذهب الحنابلة (4) ·