فهرس الكتاب
والصواب: أنهم مجتهدون في طاعة الله، كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله، ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، ومنهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين، وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب.
ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه عاصٍ لربه.
وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة، كالحلاج، وإن أنكر طائفة من مشايخ الصوفية أنه منهم )) . (396)
والطوائف هذه تمثل تطور التصوف خلال مراحله المتباينة كما سيأتي بيانه.
3-تطور التصوف والمراحل التي مرّ بها:
لقد مر التصوف بمراحل مختلفة، إذ بدأ بالزهد والزهاد في البصرة وأمثالها من أمصار المسلمين، ثم تحول بعد ذلك إلى طرق صوفية لكل منها معالمها المتميزة، ومن ثم صارت تنحرف عن الإسلام وتعاليمه رويدًا رويدًا.
ويمكن أن نميز في الصوفية ثلاث مراحل واضحة نوجزها فيما يأتي:
المرحلة الأولى:
وكان يغلب على أصحابها جانب العبادة والبعد عن الناس، مع التزامهم بآداب الشريعة، وقد يغلب على بعضهم الخوف الشديد والبكاء المستمر، وكان من هؤلاء في المدينة: عامر بن عبد الله بن الزبير، الذي كان يواصل في صومه ثلاثًا ويقول له والده: رأيت أبا بكر وعمر ولم يكونا هكذا. (397)
وكان في البصرة طلق بن حبيب العنزي، وعطاء السلمي الذي بكى حتى عمش. (398)
ومن هؤلاء الزهاد: إبراهيم بن سيار وبشر بن الحارث الحافي كان قد فاق أهل عصره في الزهد وحسن الطريقة واستقامة المذهب وعزوف النفس كما قال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد. (399)
ومن هؤلاء جنيد بن محمد الجنيد، الذي ينقل عنه الخطيب البغدادي قوله: (( علمنا مضبوط بالكتاب والسنة، ومن لم يحفظ الكتاب ولم يكتب الحديث ولم يتفقه، فلا يقتدى به ) ). (400)
(( إن هؤلاء كانت مقاصدهم حسنة، غير أنهم على غير الجادة وفيهم من كان لقلة علمه، يعمل بما يقع إليه من الأحاديث الموضوعة وهو لا يدري ) ). (401)