* (( والمبتدعة عادة يقابلون البدعة بالبدعة. فعندما غلا بعضهم في علي ?، كفّره آخرون، وعندما غلا بعضهم في الوعيد - الخوارج - غلا آخرون في الوعد حتى نفوا بعض الوعيد - يعني المرجئة - وعندما غلا المعتزلة في التنزيه حتى نفوا الصفات، غلا آخرون في الإثبات حتى وقعوا في التشبيه ) ) (44) .
* وإن جميع هذه الطوائف من المبتدعة تنزل القرآن على مذاهبها وبدعها وآرائها.
فالقرآن عند الجهمية جهمي، وعند المعتزلة معتزلي، وعند القدرية قدري، وعند الرافضة رافضي، وكذلك هو عند جميع أهل الباطل، وما كانوا أولياءه {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ} [الأنفال:34] . (45)
توبة بعض الخارجين على منهاج السلف من المتكلمين والمتصوفة:
ومن نعمة الله أن عامة الخارجين على منهاج السلف من المتكلمة والمتصوفة، يعترف عند الموت، أو قبل الموت برجوعه عن ذلك، لما لمسوه من الحيرة والاضطراب، والعدول عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كلام الرجال.
(( ومن هؤلاء المتكلمين الذين رجعوا عن طريقتهم: أبو الحسن الأشعري، فقد تبحر في علم الكلام والاعتزال ... ثم سأل الله أن يهديه إلى الطريق المستقيم، فتاب من الاعتزال، حيث خرج إلى الناس في الجامع بالبصرة، فصعد المنبر بعد صلاة الجمعة وانخلع(كما قال) من جميع ما كان يعتقده كما انخلع من ثوبه )). (46)
ومثل هذا ما رُوي عن أبي حامد الغزالي، عندما ترك كتب الفلسفة، والكلام في التصوف، ورجع إلى كتب السنة والحديث. (47)
وقال أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي صنفه في أقسام اللذات: (( لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي ...
نهاية إقدام العقول عقال
وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا
وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا
سوى أنه جمعنا فيه قيل وقالوا (48)
ويقول إمام الحرمين أبو المعالي الجويني:
(( لقد خضت البحر الخضم، وتركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته، فالويل لفلان، ها أنا أموت على عقيدة أمي ) ). (49)