فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 252

فيرى بعض الباحثين: أن موضوع وحدة الوجود في الفلسفة الأفلاطونية قد جذب أنظار الصوفية أكثر من أي شيء آخر، لأن الذين يؤمنون بهذه العقيدة يرون أن العالم كله مرآة لقدرة الحق تعالى وكل موجود بمثابة مرآة تتجلى ذات الله فيها، إلا أن المرايا كلها ظاهرة، والموجود المطلق والموجود الحقيقي هو الله.. وعلى السالك أن يطير بجناح العشق نحو الله تعالى، ويجرد نفسه من قيد وجوده الذي ما هو إلا مظهر فحسب، وينمحي ويفنى في ذات الله، أي الموجود الحقيقي )) . (533)

ويرى آخرون: أن هذه العقيدة الكفرية، مأخوذة ومقتبسة بتمامها من الديانات الهندية (( فقد اختاروا نفس المناهج التي وضعها أصحاب الديانات الهندية للحصول على المعرفة (( نروان ) )وجعلوا تعذيب النفس (( غورديسا ) )والصمت والتفكير والذكر وسيلة للوصول إليها )) . (534)

فأبو يزيد البسطامي كان من أهل خراسان، وكان جده زرادشتيًا وكان شيخه في التصوف كرديًا، ويقال: إنه أخذ عقيدة الفناء الصوفي عن أبي علي السندي الذي علمه الطريقة الهندية التي يسمونها مراقبة الأنفاس، والتي وصفها هو بأنها عبادة العارف بالله.

وإننا نلمح نزعة أبي يزيد إلى وحدة الوجود ماثلة في الأقوال المعزوة إليه كقوله: سبحاني ما أعظم شأني، للخلق أحوال، ولا حال للعارف، لأنه محيت رسومه، وفنيت هويته بهوية غيره )) . (535)

ويقال: إنه صلى بالناس الفجر والتفت بعد ذلك وقال: (( إني أنا الله، لا إله إلا أنا فاعبدوني، فتركه الناس، وقالوا: مجنون مسكين ) ). (536)

فالديانة البوذية كانت قد انتشرت في الشرق، في بلخ وبخارى وفيما وراء النهر قبل الإسلام بأكثر من ألف سنة... وكان صوفية خراسان يعدون في الرعيل الأول من الصوفية في الشجاعة الفكرية والحرية الشخصية، والعقيدة المعروفة بالفناء في الله، المقتبسة من الأفكار الهندية إلى حد ما، والتي انتشرت على الأكثر بواسطة صوفية خراسان كأبي يزيد البسطامي وغيره )) . (537)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت