على أن هذه الأجزاء تتكون تفصيلًا من بضع وسبعين شعبة، وكل شعبة فيها قابلة للتفاوت بين أعلى درجات الكمال، وأدنى درجات النقص أو الاضمحلال والعدم، وبهذا نفهم اندراج كل الأعمال فرضًا كانت أو نفلًا في مسمى الإيمان المطلق، ومن أظهر الأدلة على هذا الامتزاج أنه قد وردت النصوص بتسمية الإيمان عملًا، وتسمية العمل إيمانًا. (110)
فأما تسمية الأعمال إيمانًا: فنصوصه كثيرة جدًا، حتى أن الإمام البخاري رحمه الله، عقد في كتاب الإيمان من الصحيح تراجم كثيرة لذلك مثل: (باب الجهاد من الإيمان) ، (باب الصلاة من الإيمان) ، ونحو ذلك، وأورد في ذلك الأحاديث الصحيحة التي شاركه في إخراجها كتب السنة الأخرى.
وأما تسمية الإيمان عملًا: فقد عقد له أيضًا. مثل (باب من قال إن الإيمان هو العمل لقوله تعالى: { وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [الزخرف:72] . ثم روى بسنده عن أبي هريرة ? أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل:(( أي العمل أفضل؟ فقال: إيمان بالله ورسوله، قيل ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل ثم ماذا؟ قال: حج مبرور ) ). (111)
وقد قال الإمام الأوزاعي رحمه الله: (( كان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل، العمل من الإيمان، والإيمان من العمل ) ). (112)
ولتوضيح ذلك نورد مثالين: أحدهما من أعمال الجوارح، والآخر من أعمال القلوب، وهما الصلاة والحياء.
فالصلاة: وهي من أعمال الجوارح، قد ورد تسميتها إيمانًا في القرآن. قال تعالى: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } [البقرة:143] أي صلاتكم إلى بيت المقدس. (113)
والحياء: عمل قلبي، وقد صح تسميته إيمانًا في حديث الشُّعَب وغيره، ومع ذلك فلا يمكن تصور وجوده في القلب إلا بظهور أثره على اللسان والجوارح، وبمقدار حياء الجوارح يقاس حياء القلب.