(( إن من لا يحكم بكتاب الله وسنة رسوله، ولا يقيم من شريعة الله إلا جزءًا قليلًا أو كثيرًا، لكنه لا يقيمه امتثالًا لأمر الله وإيمانًا بدينه، بل لأنه يوافق الهوى والمصلحة الذاتية.. ولأنه أُقر ممن يملك حق الإقرار والتشريع، سواء كان شخص الزعيم أو الحزب.. إن مثل هذا لا يكفر إلا إذا علمنا أنه - في قلبه - يفضل شرائع البشر على شريعة أحكم الحاكمين.
ويرى المرجئة أننا ما لم نطلع على ذلك فكل أعماله تعتبر بحكم المعصية، حتى وهو يصدر القوانين تلو القوانين، حتى وهو يترصد للمطالبين بتطبيق الشريعة ويلاحقهم بصنوف الأذى، حتى وهو يظهر الموالاة الصريحة للكفار، ويلغي ما شرعه الله من الفوارق الجلية بين المؤمنين والكافرين من الرعية، ويرخص بإقامة أحزاب لا دينية - ويمنع قيام أحزاب لها صفة دينية - كل ذلك يعتبر من المعاصي التي لا تخرجه من الإسلام، وما لم نطلع على ما في قلبه فنعلم أنه يفضل شرعًا وحكمًا غير شرع الله على شرع الله وحكمه )) . (158)
وعلى ضوء هذا الفكر لا نعجب من عدم الإنكار لتصرفات بعض الحكام الهوجاء، وصمتهم حيال ما يصدر من حكامهم من خرق لأحكام الدين، وانتهاك لمحارمه، ومن ظلم واضطهاد للناس، وأعظم من ذلك كله موالاة الكافرين ومناصرتهم وعداوة المؤمنين، ما دام أن هؤلاء الحكام يتفوهون بالشهادة، ويتكلمون باسم الدين.
وبذلك ابتعدت الأمة عن تحكيم شرع الله، وهي لا تحس غضاضة بذلك ما دامت تقر أن شرع الله أفضل من شرع الطواغيت وكفى!!. (159)
لقد فاقت آثار الفكر الإرجائي في هذا القرن ما سببه هذا الفكر نفسه من انحراف في القرون الخالية، وإذا كان الفكر الإرجائي في القرن الأول حدث كرد فعل ضد الفكر الخارجي، فإن العكس هو الذي حدث في عصرنا هذا حيث كان فكر التكفير الغالي ردًا على الفكر الإرجائي المعاصر الذي غلا به أصحابه.