مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ إمَامًا كَانَ أَوْ حَاكِمًا أَوْ مُفْتِيًا لَيْسَ بِحَجَّةٍ عَلَى صَحَابِيٍّ آخَرَ إنَّمَا الْخِلَافُ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً عَلَى التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْبَرْدَعِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّهُ حُجَّةٌ وَتَقْلِيدُهُ وَاجِبٌ يُتْرَكُ بِهِ أَيْ بِقَوْلِهِ أَوْ بِمَذْهَبِهِ الْقِيَاسُ وَهُوَ مُخْتَارُ الشَّيْخَيْنِ وَأَبِي الْيُسْرِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ , فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَصْحَابَهُ فِي رِسَالَتِهِ الْقَدِيمَةِ وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ بِمَا هُمْ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: وَهُمْ فَوْقَنَا فِي كُلِّ عِلْمٍ وَاجْتِهَادٍ وَوَرَعٍ وَعَقْلٍ لِيُسْتَدْرَكَ بِهِ عِلْمٌ أَوْ لِيُسْتَنْبَطَ وَآرَاؤُهُمْ أَوْلَى مِنْ آرَائِنَا عِنْدَنَا ; لِأَنْفُسِنَا وَنَصَّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ الصَّحَابَةَ إذَا اخْتَلَفَتْ فَالْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ أَوْلَى , فَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ فَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما أَوْلَى وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ يَجِبُ التَّرْجِيحُ بِقَوْلِ الْأَعْلَمِ وَالْأَكْبَرِ قِيَاسًا ; لِأَنَّ زِيَادَةَ عِلْمِهِ يُقَوِّي اجْتِهَادَهُ وَيُبْعِدُهُ عَنْ التَّقْصِيرِ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا يَجِبُ تَقْلِيدُهُ إلَّا فِيمَا لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ عَلَى مَا يُشِيرُ تَقْرِيرُهُ فِي التَّقْوِيمِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله أَيْ فِي قَوْلِهِ الْجَدِيدِ لَا يُقَلَّدُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَيْ لَا يَكُونُ قَوْلُهُ حُجَّةً , وَإِنْ كَانَ فِيمَا لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَتْ الْأَشَاعِرَةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَهَذَا اللَّفْظُ كَمَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ التَّقْلِيدِ يُشِيرُ إلَى عَدَمِ جَوَازِهِ أَيْضًا وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَهُمْ , وَقَدْ جَوَّزَ بَعْضُهُمْ التَّقْلِيدَ , وَإِنْ كَانَ لَا يُوجِبُهُ. وَذَكَرَ فِي الْقَوَاطِعِ أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ إنْ كَانَ مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ فَهُوَ حُجَّةٌ إلَّا أَنَّ الْأَصْحَابَ اخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ الْحُجَّةُ فِي الْقِيَاسِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْحُجَّةُ فِي قَوْلِهِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ أَوْ كَانَ مَعَ الصَّحَابِيِّ قِيَاسٌ خَفِيٌّ وَالْجَلِيُّ يُخَالِفُ قَوْلَهُ فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ قَالَ فِي الْقَدِيمِ: قَوْلُ الصَّحَابِيِّ أَوْلَى مِنْ الْقِيَاسِ وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: الْقِيَاسُ أَوْلَى وَمِنْهُمْ أَيْ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ فَصَّلَ فِي التَّقْلِيدَ أَيْ فِي تَقْلِيدِ الصَّحَابَةِ فَقَلَّدَ أَيْ أَوْجَبَ تَقْلِيدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَأَمْثَالِهِمْ أَيْ فِي الْفَضِيلَةِ وَالتَّخْصِيصِ بِتَشْرِيفِ مِثْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنهم وَمَنْ قَلَّدَ الْخُلَفَاءَ الْأَرْبَعَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَلَّدَ الشَّيْخَيْنِ لَا غَيْرُ وَعَنْ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ تَقْلِيدَ الصَّحَابِيِّ وَاجِبٌ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَتْوَى وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ أَقْرَانِهِ خِلَافُ ذَلِكَ أَمَّا إذَا خَالَفَهُ غَيْرُهُ فَلَا يَجِبُ تَقْلِيدُ الْبَعْضِ وَلَكِنْ وَجَبَ التَّرْجِيحُ بِالدَّلِيلِ. قَوْلُهُ (وَقَدْ اخْتَلَفَ عَمَلُ أَصْحَابِنَا) يَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ وَأَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا رحمهم الله فِي هَذَا الْبَابِ أَيْ فِي تَقْلِيدِ الصَّحَابَةِ لَمْ يَسْتَقِرَّ مَذْهَبُهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُمْ رِوَايَةٌ ظَاهِرَةٌ فِيهَا فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رحمهما الله فِي إعْلَامِ قَدْرِ رَاسِ مَالِ السَّلَمِ أَيْ تَسْمِيَةِ مِقْدَارِهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ أَيْ فِيمَا إذَا كَانَ رَاسُ الْمَالِ مُشَارًا ; لِأَنَّ الْإِشَارَةَ أَبْلُغُ فِي التَّعْرِيفِ مِنْ الْعِبَارَةِ وَالتَّسْمِيَةِ. وَالْإِعْلَامُ بِالْعِبَارَةِ يَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ فَكَذَا بِالْإِشَارَةِ فَعَمِلَا بِالْقِيَاسِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما خِلَافُهُ , فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رحمه الله شَرَطَ الْإِعْلَامَ فِيمَا ذَكَرْنَا لِجَوَازِ السَّلَمِ وَقَالَ: بَلَغَنَا ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رحمهما الله فِي الْحَامِلِ أَنَّهَا تَطْلُقُ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ قِيَاسًا عَلَى الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ ; لِأَنَّ الْحَيْضَ فِي حَقِّهَا غَيْرُ مَرْجُوٍّ إلَى زَمَانِ وَضْعِ الْحَمْلِ كَمَا هُوَ غَيْرُ مَرْجُوٍّ فِي حَقِّ الصَّغِيرَةِ إلَى زَمَانِ الْبُلُوغِ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَامَ الشَّهْرُ فِي حَقِّهَا مَقَامَ الطُّهْرِ أَوْ الطُّهْرِ وَالْحَيْضِ فِي كَوْنِهِ زَمَانَ تَجَدُّدِ آخَرَ عَنْهُ بِخِلَافِ مُمْتَدَّةِ الطُّهْرِ ; لِأَنَّ الْحَيْضَ فِي حَقِّهَا مَرْجُوٌّ سَاعَةً فَسَاعَةً فَلَا يَجُوزُ إقَامَةُ الشَّهْرِ فِي حَقِّهَا مَقَامَ تَجَدُّدِ آخَرَ عَنْهُ فَعَمِلَا بِالْقِيَاسِ , وَقَالَ مُحَمَّدٌ: رحمه الله لَا تَطْلُقُ لِلسُّنَّةِ إلَّا وَاحِدَةً بَلَغَنَا ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رضي الله عنهم وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِي الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ وَهُوَ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ إلَّا بِالْعَمَلِ كَالصَّبَّاغِ وَالْقَصَّارِ إنَّهُ ضَامِنٌ لِمَا ضَاعَ فِي يَدِهِ إذَا كَانَ الْهَلَاكُ بِسَبَبٍ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ كَالسَّرِقَةِ وَنَحْوِهَا , فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ كَالْغَرَقِ الْغَالِبِ وَالْحَرْقِ