فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 129

الْغَالِبِ وَالْغَارَةِ الْعَامَّةِ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ وَرَوَيَا ذَلِكَ أَيْ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه , فَإِنَّهُ كَانَ يُضَمِّنُ الْخَيَّاطَ وَالْقَصَّارَ صِيَانَةً لِأَمْوَالِ النَّاسِ وَخَالَفَ ذَلِكَ أَيْ الْمَرْوِيَّ عَنْ عَلِيٍّ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله بِالرَّايِ فَقَالَ: إنَّهُ أَمِينٌ فَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا كَالْأَجِيرِ الْوَاحِدِ وَالْمُودِعِ وَذَلِكَ ; لِأَنَّ الضَّمَانَ نَوْعَانِ: ضَمَانُ جَبْرٍ وَضَمَانُ شَرْطٍ لَا ثَالِثَ لَهُمَا , وَضَمَانُ الْجَبْرِ يَجِبُ بِالتَّعَدِّي وَالتَّفْوِيتِ , وَضَمَانُ الشَّرْطِ يَجِبُ بِالْعَقْدِ وَلَمْ يُوجَدْ التَّعَدِّي وَالتَّفْوِيتِ ; لِأَنَّ قَطْعَ يَدِ الْمَالِكِ حَصَلَ بِإِذْنِهِ وَالْحِفْظُ لَا يَكُونُ خِيَانَةً وَلَمْ يُوجَدْ عَقْدٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ أَيْضًا فَبَقِيَتْ الْعَيْنُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ فَلَا يَضْمَنُ بِالْهَلَاكِ كَالْوَدِيعَةِ.

وَقَدْ اتَّفَقَ عَمَلُ أَصْحَابِنَا بِالتَّقْلِيدِ فِيمَا لَا يُعْقَلُ بِالْقِيَاسِ فَقَدْ قَالُوا فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ إنَّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ , وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنْ أَنَسٍ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ وَأَفْسَدُوا شِرَاءَ مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ عَمَلًا بِقَوْلِ عَائِشَةَ رضي الله عنها فِي قِصَّةِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رضي الله عنه أَمَّا فِيمَا لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ حَمْلًا لِذَلِكَ عَلَى التَّوْقِيفِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام لَا وَجْهَ لَهُ غَيْرَ هَذَا إلَّا التَّكْذِيبُ , وَذَلِكَ بَاطِلٌ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ لَا مَحَالَةَ فَأَمَّا فِيمَا يُعْقَلُ بِالْقِيَاسِ فَوَجْهُ قَوْلِ الْكَرْخِيِّ أَنَّ الْقَوْلَ بِالرَّايِ مِنْ أَصْحَابِهِ صلى الله عليه وسلم مَشْهُورٌ وَاحْتِمَالُ الْخَطَأِ فِي اجْتِهَادِهِمْ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ فَقَدْ كَانَ يُخَالِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَكَانُوا لَا يَدْعُونَ النَّاسَ إلَى أَقْوَالِهِمْ وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه يَقُولُ إنْ أَخْطَات فَمِنْ الشَّيْطَانِ , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ تَقْلِيدُ مِثْلِهِ بَلْ وَجَبَ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ فِي الْعَمَلِ بِالرَّايِ مِثْلَ مَا عَمِلُوا , وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ عليه السلام {أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ} الْخَبَرَ.

(قَوْلُهُ وَقَدْ اتَّفَقَ عَمَلُ أَصْحَابِنَا) يَعْنِي الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ بِالتَّقْلِيدِ فِيمَا لَا يُعْقَلُ بِالْقِيَاسِ أَيْ بِالرَّايِ مِثْلُ الْمَقَادِيرِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي لَا تُعْرَفُ بِالرَّايِ , فَإِنَّهُمْ قَالُوا أَقَلَّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةٌ وَأَكْثَرَهُ عَشَرَةٌ وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه وَقَدْ رَوَوْا أَكْثَرَ النِّفَاسِ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا بِقَوْلِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ إلَّا أَنَّ النِّفَاسَ لَمَّا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ لِكَوْنِهِ أَرْبَعَةَ أَمْثَالِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ عِنْدَ هَذَا الْقَائِل فَلِذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ وَرَوَوْا ذَلِكَ أَيْ تَعَدِّيَ الْحَيْضِ عَنْ أَنَسٍ وَعُثْمَانَ مَعَ أَنَّهُ قَدْ أَسْنَدَهُ إلَى عُثْمَانَ صَرِيحًا فِي الْمَبْسُوطِ فَقَالَ: رَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ} وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنهم وَأَفْسَدُوا شِرَاءَ مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ يَعْنِي قَبْلَ أَخْذِ الثَّمَنِ مَعَ أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي جَوَازَهُ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ; لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمَبِيعِ قَدْ تَمَّ بِالْقَبْضِ لِلْمُشْتَرِي فَيَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ الْبَائِعِ بِمَا شَاءَ كَالْبَيْعِ مِنْ غَيْرِهِ وَكَالْبَيْعِ بِمِثْلِ الثَّمَنِ مِنْهُ عَمَلًا بِقَوْلِ عَائِشَةَ رضي الله عنها وَهُوَ مَا رَوَتْ أُمُّ يُونُسَ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها وَقَالَتْ: إنِّي بِعْت مِنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ خَادِمًا بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ إلَى الْعَطَاءِ فَاحْتَاجَ إلَى ثَمَنِهِ فَاشْتَرَيْته مِنْهُ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ بِسِتِّمِائَةٍ , فَقَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها بِئْسَمَا شَرَيْت وَاشْتَرَيْت أَبْلَغِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبْطَلَ جِهَادَهُ وَحَجَّهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إنْ لَمْ يَتُبْ فَأَتَاهَا زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ مُعْتَذِرًا فَتَلَتْ قوله تعالى {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ} فَتَرَكْنَا الْقِيَاسَ بِهِ ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَمَّا كَانَ مُخَالِفًا لِقَوْلِهَا تَعَيَّنَ جِهَةُ السَّمَاعِ فِيهِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهَا جَعَلَتْ جَزَاءَهُ عَلَى مُبَاشَرَةِ هَذَا الْعَقْدِ بُطْلَانَ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَأَجْزِئَةُ الْجَرَائِمِ لَا تُعْرَفُ بِالرَّايِ فَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ كَالْمَسْمُوعِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَاعْتِذَارُ زَيْدٍ إلَيْهَا دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا , فَإِنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يُخَالِفُ بَعْضًا فِي الْمُجْتَهَدَاتِ وَمَا كَانَ يَعْتَذِرُ إلَى صَاحِبِهِ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْأَقْوَالِ شَرَعَ فِي إقَامَةِ الدَّلَائِلِ عَلَيْهَا وَبَدَأَ بِمَا اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى وُجُوبِ التَّقْلِيدِ فِيهِ فَقَالَ: أَمَّا فِيمَا لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ نَحْوُ الْمَقَادِيرِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت