فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 129

أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ عَامًّا فَيَخُصَّهُ بِأَحَدِ أَفْرَادِهِ وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ بِفُرُوعِهَا فِي بَابِ التَّخْصِيصِ.

ثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا , فَيُقَيِّدَهُ , وَهُوَ كَتَخْصِيصِ الْعَامِّ بِلَا فَرْقٍ.

ثَالِثُهَا: أَنْ يَدَّعِيَ نَسْخَهُ , وَقَدْ سَبَقَ فِي آخَرِ بَابِ النَّسْخِ. رَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مُحْتَمِلًا لِأَمْرَيْنِ مُتَنَافِيَيْنِ , فَيَحْمِلُهُ الرَّاوِي عَلَى أَحَدِهِمَا , فَاَلَّذِي ذَكَرَهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ الْأُسْتَاذُ أَبُو إسْحَاقَ , وَابْنُ فُورَكٍ , وَالْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ , إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ , وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي"التَّقْرِيبِ"أَنَّهُ يُنْظَرُ , فَإِنْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَحَدُهُمَا رَجَعَ إلَيْهِ فِيهِ , وَلِهَذَا رَجَعَ الشَّافِعِيُّ إلَى تَفْسِيرِ ابْنِ عُمَرَ التَّفَرُّقُ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ بِالْأَبْدَانِ , وَكَتَفْسِيرِهِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ بِبَيْعِهِ إلَى نِتَاجِ النَّتَاجِ , وَكَفِعْلِ عُمَرَ فِي هَاءٍ وَهَاءٍ , فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا تُفَارِقُهُ وَبَيْنَك وَبَيْنَهُ شَيْءٌ , ثُمَّ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ: {الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ} عَلَى الْمَجْلِسِ دُونَ الْمُقَايَضَةِ عَلَى الْفَوْرِ , وَتَوَقَّفَ الشَّيْخُ أَبُو إسْحَاقَ فِي ,"اللُّمَعِ". هَذَا إنْ كَانَ صَحَابِيًّا , فَإِنْ كَانَ تَابِعِيًّا لَمْ يَلْزَمْ كَمَا سَبَقَ , وَقِيلَ: لَا فَرْقَ , وَإِنْ لَمْ يَتَنَافَيَا فَكَالْمُشْتَرَكِ فِي حَمْلِهِ عَلَى مَعْنَيَيْهِ , وَإِنْ جَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ غَيْرَهُمَا كَتَفْسِيرِ ابْنِ عُمَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا , وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا , فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَقْدِرُوا لَهُ} , عَادَةُ الشُّهُورِ مِنْ تِسْعِ وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ , فَأَوْجَبَ صِيَامَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إذَا لَمْ يُرَ الْهِلَالُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ , وَكَانَتْ السَّمَاءُ مُغَيِّمَةً , وَإِنَّمَا لَمْ يَرْجِعْ الشَّافِعِيُّ إلَى تَفْسِيرِهِ ذَلِكَ وَأَوْجَبَ اسْتِكْمَالَ الثَّلَاثِينَ سَوَاءٌ اللَّيْلَةَ الْمُغَيِّمَةَ أَوْ الْمُصْحِيَةَ ; لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَمْ يَقُمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَحَدُهُمَا , بَلْ جَاءَتْ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا مُصَرِّحَةً بِخِلَافِ رِوَايَتِهِ , كَخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ , وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُرَادَ اسْتِكْمَالُهُنَّ ثَلَاثِينَ لَا الْعِدَّةُ الْمُعْتَادَةُ. وَأَطْلَقَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ أَنَّ تَاوِيلَ الرَّاوِي أَوْلَى لِمُشَاهَدَةِ الْحَالِ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى مُخَالَفَتِهِ , فَالْحُكْمُ لِلدَّلِيلِ , كَمَا أَوْصَى أَبُو سَعِيدٍ أَنْ يُكَفَّنَ فِي ثِيَابٍ جُدُدٍ ; لِأَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: {يُحْشَرُ الْمُؤْمِنُ فِي ثَوْبِهِ} يُوَجَّهُ تَاوِيلُهُ إلَى الثِّيَابِ , ثُمَّ إنَّ الدَّلِيلَ قَامَ عَلَى خِلَافِهِ مِنْ قَوْلِهِ: {يُحْشَرُ النَّاسُ عُرَاةً , فَأَوَّلُ مَنْ يَلْبَسُ إبْرَاهِيمُ} فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالثَّوْبِ فِي الْحَدِيثِ الْعَمَلُ مِنْ صَالِحٍ أَوْ طَالِحٍ. قَالَ: وَإِنَّمَا جَعَلَ تَاوِيلَ الرَّاوِي أَوْلَى ; لِأَنَّهُ قَدْ شَاهَدَ مِنْ الْأَمَارَاتِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى حِكَايَتِهِ , فَيَكُونُ تَاوِيلُهُ أَوْلَى , فَإِذَا انْكَشَفَ خِلَافُهُ صِرْنَا إلَيْهِ , وَمِنْ هَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: رُبَّمَا سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْحَدِيثَ , ثُمَّ يَسْمَعُ سَبَبَهُ , أَوْ يَسْمَعُ آخِرَ كَلَامِهِ , وَلَمْ يَسْمَعْ أَوَّلَهُ , وَعَلَى كُلِّ إنْسَانٍ أَنْ يَحْكِيَ مَا سَمِعَ حَتَّى يَسْمَعَ خِلَافَهُ. ا هـ. قَالَ الْآمِدِيُّ: إذَا حَمَلَ الصَّحَابِيُّ مَا رَوَاهُ عَلَى أَحَدِ مُحْتَمَلَيْهِ , فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ ظَاهِرٌ فِي جَمِيعِ مَحَامِلِهِ كَالْعَامِّ , فَتَعُودُ الْمَسْأَلَةُ إلَى التَّخْصِيصِ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ , وَإِنْ قُلْنَا بِامْتِنَاعِ حَمْلِهِ عَلَى ذَلِكَ , فَلَا نَعْرِفُ خِلَافًا فِي وُجُوبِ حَمْلِ الْخَبَرِ عَلَى مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ الرَّاوِي ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ لَا يَنْطِقُ بِاللَّفْظِ الْمُجْمَلِ بِقَصْدِ التَّشْرِيعِ وَتَعْرِيفِ الْأَحْكَامِ , وَيُخَلِّيهِ عَنْ قَرِينَةٍ حَالِيَّةٍ أَوْ مَقَالِيَّةٍ تُعَيِّنُ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكَلَامِ , وَالصَّحَابِيُّ الرَّاوِي الْمَشَاهِدُ لِلْحَالِ أَعْرَفُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ , فَوَجَبَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ. ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى جِهَةِ الِاحْتِمَالِ أَنَّ تَعْيِينَهُ لَيْسَ أَوْلَى مِنْ تَعْيِينِ غَيْرِهِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ , حَتَّى يُنْظَرَ فِيهِ , فَإِنْ انْقَدَحَ لَهُ وَجْهٌ يُوجِبُ تَعْيِينَ غَيْرِ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ , وَجَبَ اتِّبَاعُهُ , وَإِلَّا فَتَعْيِينُ الرَّاوِي صَالِحٌ لِلتَّرْجِيحِ , فَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ. ا هـ. وَهَذَا الِاحْتِمَالُ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ تَعْيِينَ الصَّحَابِيِّ الْمَشَاهِدِ لِلْحَالِ إنَّمَا يَكُونُ عَنْ قَرِينَةٍ حَالِيَّةٍ أَوْ مَقَالِيَّةٍ شَاهَدَهَا , فَلَا يَعْدِلُ عَنْ الظَّاهِرِ إلَّا عِنْدَ قِيَامِ مَا تَرَجَّحَ عَلَيْهِ لَا بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مُحْتَمِلًا. وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ , وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ نَصَّ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ الصَّحَابِيَّ إذَا نَقَلَ خَبَرًا وَأَوَّلَهُ , وَذَكَرَ مُجْمَلَهُ فَتَاوِيلُهُ مَقْبُولٌ. قَالَ أَبُو نَصْرِ بْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَإِنَّمَا أَرَادَ فِيمَا أَظُنُّ إذَا أَوَّلَ الصَّحَابِيُّ أَوْ خَصَّصَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ دَلِيلٍ , وَإِلَّا فَالتَّاوِيلُ الْمُعْتَضِدُ بِالدَّلِيلِ مَقْبُولٌ مِنْ كُلِّ إنْسَانٍ ; لِأَنَّهُ اتِّبَاعٌ لِلدَّلِيلِ لَا اتِّبَاعُ ذَلِكَ الْمُؤَوَّلِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت