فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 129

وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي"الْإِفَادَةِ": ذَهَبَ جُمْهُورُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إلَى تَعْيِينِ تَاوِيلِ الرَّاوِي وَحَكَوْهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ , وَبَنَى عَلَيْهِ مَنْعَ التَّوْقِيتِ فِي الْمَسْحِ , لِقَوْلِ خُزَيْمَةَ: لَوْ مَضَى السَّائِلُ فِي مَسْأَلَتِهِ لَجَعَلَهَا خَمْسًا , فَقَالُوا: هَذَا ظَنٌّ , وَالْوَاجِبُ الْمَصِيرُ إلَى الْخَبَرِ. فَقَالَ: وَالصَّحِيحُ إنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ قَصْدِهِ صلى الله عليه وسلم , فَالْوَاجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ يُعْلَمُ مَا لِأَجْلِهِ صَارَ إلَى ذَلِكَ سِوَاهُ , وَإِنْ كَانَ مِمَّا طَرِيقُهُ الِاسْتِدْلَال لَمْ يَلْزَمْ ; لِأَنَّهُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا طَرِيقُهُ اللُّغَةُ دُونَ الْأَحْكَامِ , فَيَلْزَمُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ ; لِكَوْنِ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً فِي اللُّغَةِ. ا هـ , وَهُوَ تَقْيِيدٌ حَسَنٌ. خَامِسُهَا: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ ظَاهِرًا فِي شَيْءٍ , فَيَحْمِلُهُ الصَّحَابِيُّ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ , إمَّا بِصَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلَى مَجَازِهِ , أَوْ بِأَنْ يَصْرِفَهُ عَنْ الْوُجُوبِ إلَى النَّدْبِ أَوْ عَنْ التَّحْرِيمِ إلَى الْكَرَاهَةِ. فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ الْعَمَلُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ , وَلَا يُخْرَجُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ عَمَلِ الصَّحَابِيِّ , وَقَوْلُهُ. هَكَذَا ذَكَرَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ , وَابْنُ فُورَكٍ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ , وَغَيْرُهُمْ. قَالَ الْآمِدِيُّ: وَفِيهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: كَيْفَ أَتْرُكُ الْخَبَرَ لِأَقْوَالِ أَقْوَامٍ لَوْ عَاصَرْتُهُمْ لَحَجَجْتُهُمْ [بِالْحَدِيثِ] . وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ إلَى اتِّبَاعِ قَوْلِ الرَّاوِي فِي ذَلِكَ لِمَا سَيَاتِي. وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: إنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُدْرَكَ إلَّا بِشَوَاهِدِ الْأَحْوَالِ , وَالْقَرَائِنِ الْمُقْتَضِيَةِ لِذَلِكَ , وَلَيْسَ لِلِاجْتِهَادِ مَسَاغٌ فِي ذَلِكَ اُتُّبِعَ قَوْلُهُ , وَإِنْ كَانَ صَرْفُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِضَرْبٍ مِنْ الِاجْتِهَادِ تَعَيَّنَ الرُّجُوعُ إلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ , لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ اجْتِهَادُهُ مُطَابِقًا لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ , فَلَا يُتْرَكُ الظَّاهِرُ بِالْمُحْتَمَلِ. حَكَاهُ عَنْهُمْ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي"الْمُلَخَّصِ". وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ , وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ: إنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِمَذْهَبِ الرَّاوِي وَتَاوِيلِهِ وَجْهٌ سِوَى عِلْمِهِ بِقَصْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِذَلِكَ التَّاوِيلِ , وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ , وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ , بَلْ جُوِّزَ أَنْ يَكُونَ قَدْ صَارَ إلَيْهِ لِدَلِيلٍ ظَهَرَ لَهُ مِنْ نَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ , وَجَبَ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ الدَّلِيلِ , فَإِنْ كَانَ مُقْتَضِيًا لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ , وَإِلَّا عُمِلَ بِالْخَبَرِ , وَلَمْ يَكُنْ لِمُخَالَفَةِ الصَّحَابِيِّ أَثَرٌ. سَادِسُهَا: أَنْ تَكُونَ الْمُخَالَفَةُ بِتَرْكِ الْحَدِيثِ بِالْكُلِّيَّةِ , كَرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْوُلُوغُ سَبْعًا , وَرَايُهُ بِالثَّلَاثِ وَهَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ مِثَالًا لِتَخْصِيصِ الرَّاوِي عُمُومَ الْخَبَرِ , وَلَيْسَ مِنْهُ ; لِأَنَّ أَلْفَاظَ الْعَدَدِ نُصُوصٌ لَا تَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ. فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِرِوَايَتِهِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ. وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ عِيسَى بْنِ أَبَانَ أَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ الْأَئِمَّةِ دَلَّ عَلَى نَسْخِ الْخَبَرِ. وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ , وَابْنِ الْقُشَيْرِيّ أَنَّا إنْ تَحَقَّقْنَا نِسْيَانَهُ لِلْخَبَرِ الَّذِي رَوَاهُ , أَوْ فَرَضْنَا مُخَالَفَةً لِخَبَرٍ لَمْ يَرْوِهِ , وَجَوَّزْنَا أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ , فَالْعَمَلُ بِالْخَبَرِ , فَإِنْ رَوَى خَبَرًا مُقْتَضَاهُ رَفْعُ الْحَرَجِ , وَالْحَرَجُ فِيمَا سَبَقَ مِنْهُ تَحْرِيمٌ وَحَظْرٌ , ثُمَّ رَأَيْنَاهُ يَتَحَرَّجُ , فَالِاسْتِمْسَاكُ بِالْخَبَرِ أَيْضًا , وَعَمَلُهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْوَرَعِ. وَإِنْ نَاقَضَ عَمَلُهُ رِوَايَتَهُ , وَلَمْ نَجِدْ مَحْمَلًا فِي الْجَمْعِ , امْتَنَعَ التَّعَلُّقُ بِرِوَايَتِهِ , فَإِنَّهُ لَا يُظَنُّ بِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الرِّوَايَةِ أَنْ يَتَعَمَّدَ مُخَالَفَةَ مَا رَوَاهُ إلَّا عَنْ ثَبْتٍ يُوجِبُ الْمُخَالَفَةَ. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَعَلَى هَذَا فَلَا يُقْطَعُ بِأَنَّ الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ , كَمَا صَارَ إلَيْهِ ابْنُ أَبَانَ , وَلَعَلَّهُ عَلِمَ شَيْئًا اقْتَضَى تَرْكَ الْعَمَلِ بِذَلِكَ الْخَبَرِ , وَيُتَّجَهُ هَاهُنَا أَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ ثَمَّ سَبَبٌ يُوجِبُ رَدَّ الْخَبَرِ , لَوَجَبَ عَلَى هَذَا الرَّاوِي أَنْ يُبَيِّنَهُ , إذْ لَا يَجُوزُ تَرْكُ ذِكْرِ مَا عَلَيْهِ مَدَارُ الْأَمْرِ , وَالْمَحَلُّ مَحَلُّ الِالْتِبَاسِ , ثُمَّ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَهَذَا غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالصَّحَابِيِّ , بَلْ لَوْ رَوَى بَعْضُ الْأَئِمَّةِ خَبَرًا عَمِلَ بِخِلَافِهِ , فَالْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّفْصِيلِ. وَلَكِنْ قَدْ اعْتَرَضَ الْأَئِمَّةَ أُمُورٌ أَسْقَطَتْ آثَارُ أَفْعَالِهِمْ الْمُخَالِفَةَ لِرِوَايَتِهِمْ , وَهَذَا كَرِوَايَةِ أَبِي حَنِيفَةَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ مَعَ مَصِيرِهِ إلَى مُخَالَفَتِهِ , فَهَذِهِ الْمُخَالَفَةُ غَيْرُ قَادِحَةٍ فِي الرِّوَايَةِ ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ مِنْ أَصْلِهِ تَقْدِيمُ الرَّايِ عَلَى الْخَبَرِ , فَمُخَالَفَتُهُ مَحْمُولَةٌ عَلَى قِيَاسِهِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الْفَاسِدِ. وَلِهَذَا قَالَ: أَرَأَيْت لَوْ كَانَا فِي سَفِينَةٍ , وَكَرِوَايَةِ مَالِكٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ مَعَ مَصِيرِهِ إلَى نَفْيِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ , وَهَذِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت