الْمُخَالَفَةُ لَا تَقْدَحُ أَيْضًا فِي الرِّوَايَةِ ; لِأَنَّ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى هَذَا فِيمَا أَظُنُّ تَقْدِيمُهُ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: لَا يَنْبَغِي تَخْصِيصُ الْمَسْأَلَةِ بِالرَّاوِي يَرْوِي ثُمَّ يُخَالِفُ , بَلْ تَجْرِي فِيمَنْ يَبْلُغُهُ خَبَرٌ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ يُخَالِفُهُ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الرَّاوِيَ لِذَلِكَ الْخَبَرِ , حَتَّى إذَا وَجَدْنَا مَحْمَلًا وَقُلْنَا: إنَّمَا خَالَفَ ; لِأَنَّهُ اتَّهَمَ الرَّاوِيَ فَلَا يَقْدَحُ هَذَا فِي الْخَبَرِ , وَإِنْ لَمْ يُتَّجَهُ وَجْهٌ لِمُخَالَفَتِهِ إلَّا وَلَهَا الْحَدِيثُ أَوْ الْمَصِيرُ إلَى اسْتِخْفَافِهِ بِالْخَبَرِ , فَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ أَنْ يُقَالَ: هَذَا قَدْحٌ فِي الْخَبَرِ , وَعُلِمَ بِضَعْفِهِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَإِذَا رَوَى الرَّاوِي خَبَرًا , وَكَانَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَمْ يُحِطْ بِمَعْنَاهُ , فَمُخَالَفَتُهُ لِلْخَبَرِ لَا تَقْدَحُ فِي الْخَبَرِ , وَإِنْ لَمْ يَدْرِ أَنَّهُ نَاسٍ لِلْخَبَرِ , أَوْ ذَاكِرٌ لِمَا يُحْمَلُ بِخِلَافِهِ , فَيَتَعَلَّقُ بِالْخَبَرِ ; لِأَنَّهُ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ , وَنَحْنُ عَلَى تَرَدُّدٍ فِيمَا يَدْفَعُ التَّعَلُّقَ بِهِ , فَلَا يُدْفَعُ الْأَصْلُ بِهَذَا التَّرَدُّدِ , بَلْ إنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ خَالَفَ الْحَدِيثَ قَصْدًا وَلَمْ يَتَحَقَّقْهُ , فَهَذَا يُعَضِّدُ التَّاوِيلَ , وَيُؤَيِّدُهُ وَيَحُطُّ مَرْتَبَةَ الظَّاهِرِ , وَيَخِفُّ الْأَمْرُ فِي الدَّلِيلِ الَّذِي عَضَّدَهُ التَّاوِيلُ. قَالَ: وَلَوْ رَوَى خَبَرًا , ثُمَّ فَسَقَ , وَفِي زَمَانِ الْفِسْقِ خَالَفَ مَا رَوَاهُ , فَلَا يَقْدَحُ هَذَا فِي الْخَبَرِ ; لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مُجُونِهِ , لَا عَلَى أَنَّهُ يَعْرِفُ ضَعْفَ الْحَدِيثِ. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: يُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الصَّحَابِيَّ إذَا رَوَى وَخَالَفَ مَا رَوَى قَصْدًا , دَلَّ عَلَى ضَعْفِ الْحَدِيثِ ; لِأَنَّهُمْ شَاهَدُوا الْوَحْيَ , وَعَرَفُوا مِنْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ مَا لَمْ نَعْرِفْهُ. فَأَمَّا الْإِمَامُ الْآنَ إذَا خَالَفَ خَبَرًا رَوَاهُ , وَقَدْ عَمِلَ بِهِ مَنْ قَبْلَهُ , فَهَذَا الْخِلَافُ لَا يَقْدَحُ فِيهِ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَإِذَا كُنَّا نَقُولُ: إذَا وَرَدَ خَبَرٌ , ثُمَّ خَالَفَهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ مَعَ ذِكْرِهِ لَهُ , وَلَمْ نَجِدْ مَحْمَلًا يُقَوِّي ضَعْفَ الْحَدِيثِ أَوْ كَوْنَهُ مَنْسُوخًا , فَلَا عَمَلَ بِذَلِكَ الْخَبَرِ , فَلَوْ خَالَفَ أَقْضِيَةَ الصَّحَابَةِ أَوْ أَئِمَّةَ أَيِّ عَصْرٍ - فَرَضْنَا - الْخَبَرَ وَلَمْ نَجِدْ مَحْمَلًا مِمَّا ذَكَرْنَا , فَلَا شَكَّ فِي أَنَّ هَذَا يَقْدَحُ فِي الْخَبَرِ إذْ لَا مَحْمَلَ لِتَرْكِ الْعَمَلِ بِالْخَبَرِ إلَّا الِاسْتِهَانَةُ , وَتَرْكُ الْمُبَالَاةِ بِهِ , وَالْعِلْمُ بِكَوْنِهِ مَنْسُوخًا , وَلَيْسَ بَيْنَ التَّقْدِيرَيْنِ ثَالِثٌ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ اعْتِقَادِ تَنْزِيهِهِمْ عَنْ الِاسْتِهَانَةِ بِالْخَبَرِ. فَتَعَيَّنَ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى عِلْمِهِمْ بِوُرُودِ النَّسْخِ , وَلَيْسَ هَذَا تَقْدِيمًا لِأَقْضِيَتِهِمْ عَلَى الْخَبَرِ , بَلْ هُوَ اسْتِمْسَاكٌ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ حَمْلِ عَمَلِهِمْ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُ فِي الصَّوَابِ , فَكَانَ تَعَلُّقًا بِالْإِجْمَاعِ فِي مُعَارَضَةِ الْحَدِيثِ. وَمِنْ بَدِيعِ الْأَمْرِ أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ إذَا نُقِلَ مُفْرَدًا لَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ , فَإِذَا نُقِلَ فِي مُعَارَضَةِ خَبَرٍ نَصَّ عَلَى الْمُخَالَفَةِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ التَّاوِيلَ , تَعَيَّنَ التَّعَلُّقُ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ , وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا تَعَلُّقًا بِمَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ , بَلْ هُوَ تَعَلُّقٌ بِمَا عَنْهُ صَدَرَ مَذْهَبُهُ , وَلِهَذَا طَرْدَنَا هَذَا الْكَلَامَ فِي أَمْرِ كُلِّ عَصْرٍ كَمَا قُلْنَا فِي الْإِجْمَاعِ: إنَّ أَهْلَ الْعَصْرِ لَا يُجْمِعُونَ فِي مَظْنُونٍ عَنْ مَسْلَكٍ إلَّا عَنْ ثَبْتٍ. وَحَمَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ إذْ قَالَ: التَّعْوِيلُ عَلَى الْخَبَرِ لَا عَلَى خِلَافِ الرَّاوِي عَلَى مَا لَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الرَّاوِيَ كَانَ نَاسِيًا لِلْخَبَرِ , أَوْ لَمْ يَقْطَعْ بِأَنَّهُ قَصَدَ الْخِلَافَ عَنْ تَعَمُّدٍ , فَإِنَّ الْخَبَرَ مُقَدَّمٌ عِنْدَنَا أَيْضًا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. وَأَمَّا إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْخَبَرَ بَلَغَهُمْ , وَلَكِنْ عَمِلُوا بِخِلَافِهِ , فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التَّعَلُّقَ بِالْخَبَرِ ; لِأَنَّهُ أَصْلٌ مِنْ الْأُصُولِ , فَلَا يَتْرُكُهُ لِشَيْءٍ تَرَدَّدَ فِيهِ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ فِي كِتَابِ التَّرْجِيحِ هَذَا , وَقَالَ: إنْ لَمْ نَجِدْ فِي الْوَاقِعَةِ مُتَعَلَّقَا سِوَى الْخَبَرِ , وَقَوْلِ الرَّاوِي , وَهُوَ مِنْ الْأَئِمَّةِ , وَهُمَا عَلَى التَّنَاقُضِ فَيُتَمَسَّكُ بِالْخَبَرِ , وَإِنْ وَجَدْنَا مَسْلَكًا فِي الدَّلِيلِ سِوَى الْخَبَرِ , فَالتَّمَسُّكُ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ أَوْلَى. قَالَ: وَلَوْ صَحَّ الْخَبَرُ , وَعَمِلَ بِهِ قَوْمٌ , وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ قَوْمٌ , وَالْفَرِيقَانِ ذَاكِرَانِ لِلْخَبَرِ , وَالْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ حَيْثُ لَا احْتِمَالَ إلَّا النَّسْخَ , فَاَلَّذِي أَرَاهُ تَقْدِيمَ عَمَلِ الْمُخَالِفِينَ ; لِأَنَّهُمْ لَا يُخَالِفُونَ إلَّا عَنْ ثَبْتٍ. وَيُحْمَلُ عَمَلُ الْعَامِلِينَ عَلَى التَّمَسُّكِ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ , ثُمَّ الْعُرْفُ يَقْضِي بِأَنْ يَتَّبِعَ الْمُخَالِفُونَ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ بِوَفَاءِ الْحَدِيثِ , وَكُلُّ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى مَسْأَلَةٍ , وَهِيَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَوْ انْعَقَدَ عَلَى مُخَالَفَةِ خَبَرٍ مُتَوَاتِرٍ إنْ تُصُوِّرَ ذَلِكَ , فَالتَّعَلُّقُ بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّهُ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ , وَيَتَطَرَّقُ إلَى الْخَبَرِ النَّسْخُ , فَحُمِلَ الْأَمْرُ