فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 129

عَلَى ذَلِكَ قَطْعًا , وَيَسْتَحِيلُ حُصُولُ الْإِجْمَاعِ عَلَى حُكْمٍ مَعَ خَبَرٍ نَصَّ عَلَى مُنَاقَضَتِهِ مَعَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوخٍ , فَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ. قَالَ: وَاَلَّذِي أَرَاهُ مِنْ ضَرُورَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى مُنَاقَضَةِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ أَنْ يَلْهَجَ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ بِكَوْنِهِ مَنْسُوخًا. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَقَدْ بَنَى الْإِمَامُ جُمْلَةَ كَلَامِهِ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ فِيمَا لَا يُقَاسَ وَفِي الْمُقَدَّرَاتِ حُجَّةٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ بِمَا يُخَالِفُهُ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ إلَّا عَنْ ثَبْتٍ. وَالْقَاضِي يَابَى هَذَا أَشَدَّ الْإِبَاءِ , وَيَقُولُ: رُبَّمَا ظَنَّ أَنَّهُ مَحَلُّ الِاجْتِهَادِ , وَرُبَّمَا زَلَّ إذْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ.

قَوْلُ الصَّحَابِيِّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى صَحَابِيٍّ آخَرَ مُجْتَهِدٍ , إمَامًا أَوْ حَاكِمًا أَوْ مُفْتِيًا. نَقَلَهُ الْقَاضِي , وَتَبِعَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ , مِنْهُمْ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمَا. فَإِنْ قِيلَ: يَقْدَحُ فِيهِ قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه فِي بَعْضِ أَقْوَالِهِ: إذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فَالتَّمَسُّكُ بِقَوْلِ الْخُلَفَاءِ أَوْلَى. قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا كَالدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْقُطْ الِاحْتِجَاجُ بِأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ مِنْ أَجْلِ الِاخْتِلَافِ. قُلْنَا: مُرَادُهُ أَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَيْنَا , لَا عَلَى مَنْ عَاصَرَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ.

نَعَمْ , هُنَا مَسْأَلَتَانِ: (إحْدَاهُمَا) : بِالنِّسْبَةِ إلَى وُجُوبِ التَّقْلِيدِ , و (الثَّانِيَةُ) : بِالنِّسْبَةِ إلَى جَوَازِهِ , وَالْقَاضِي إنَّمَا حَكَى الِاتِّفَاقَ فِي الْأُولَى , وَحَكَى الْخِلَافَ فِي الثَّانِيَةِ فَقَالَ: وَقَدْ اتَّفَقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الصَّحَابِيِّ تَقْلِيدُ مِثْلِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ , فَبِذَلِكَ لَا يَجِبُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَهُمْ , لِتَسَاوِي أَحْوَالِهِمْ. قَالَ: وَقَدْ أَجَازَ بَعْضُهُمْ تَقْلِيدَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ بَعْضًا , وَاحْتَجُّوا بِإِجَابَةِ عُثْمَانَ إلَى تَقْلِيدِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي الْأَحْكَامِ , وَإِنْ لَمْ نَعْتَبِرْ وُجُوبَ ذَلِكَ. انْتَهَى. وَقَدْ يَدَّعِي أَنَّهَا مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ. و يَلْزَمُ مِنْ الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ الْوُجُوبُ , وَكَلَامُ الشَّيْخِ فِي اللُّمَعِ"يَقْتَضِي ذَلِكَ , فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا أَجْمَعُوا بَيْنَ الصَّحَابَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ بَنَى عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّهُ حُجَّةٌ أَمْ لَا. فَإِنْ قُلْنَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ لَمْ يَكُنْ قَوْلُ بَعْضِهِمْ حُجَّةً عَلَى بَعْضٍ , وَلَمْ يَجُزْ تَقْلِيدُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا , بَلْ يَرْجِعُ إلَى الدَّلِيلِ. وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ حُجَّةٌ فَهَاهُنَا دَلِيلَانِ تَعَارَضَا فَيُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ , أَوْ يَكُونُ فِيهِ إمَامٌ. انْتَهَى. ثُمَّ هَذَا الِاتِّفَاقُ صَحِيحٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى زَمَنِهِمْ. أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ بَعْدِهِمْ إذَا اخْتَلَفُوا فَقَدْ ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ حُجِّيَّةَ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ تَزُولُ إذَا خَالَفَهُ غَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ , لِأَنَّهُ لَيْسَ اتِّبَاعُ قَوْلِ أَحَدِهِمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ , وَتَعَلَّقُوا بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ نَقْلِ الْإِجْمَاعِ. وَهَذَا ضَعِيفٌ , لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ , وَإِنَّمَا الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ فِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ حُجَّةٌ عَلَى التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدِهِمْ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ؟ وَفِيهِ أَقْوَالٌ. الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا , كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ , وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالْمُعْتَزِلَةُ. و يُومِئُ إلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ , وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَزَعَمَ عَبْدُ الْوَهَّابِ أَنَّهُ الصَّحِيحُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ مَالِكٍ , لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى وُجُوبِ الِاجْتِهَادِ وَاتِّبَاعِ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ صَحِيحُ النَّظَرِ فَقَالَ: وَلَيْسَ فِي اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ سَعَةٌ , إنَّمَا هُوَ خَطَأٌ أَوْ صَوَابٌ. الثَّانِي: أَنَّهُ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْقِيَاسِ , وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ. وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ. قَالَ صَاحِبُ"التَّقْوِيمِ": قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْبَرْدَعِيُّ: تَقْلِيدُ الصَّحَابَةِ وَاجِبٌ , يُتْرَكُ بِقَوْلِهِ الْقِيَاسُ , وَعَلَيْهِ أَدْرَكْنَا مَشَايِخَنَا. وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إنْ شَرَى مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ لَا يَجُوزُ. وَاحْتَجَّ بِأَثَرِ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - وَالْقِيَاسِ , وَقَالَ: وَلَيْسَ عَنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ مَذْهَبٌ ثَابِتٌ وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ:"إذَا أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ سَلَّمْنَا لَهُمْ , وَإِذَا جَاءَ التَّابِعُونَ زَاحَمْنَاهُمْ , لِأَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ , فَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ بِدُونِ إجْمَاعٍ. انْتَهَى. وَمِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ , لَمَّا ذَكَرَ الصَّحَابَةَ رضوان الله عليهم: وَهُمْ فَوْقَنَا فِي كُلِّ عِلْمٍ وَاجْتِهَادٍ وَوَرَعٍ وَعَقْلٍ وَأَمْرٍ اُسْتُدْرِكَ فِيهِ عِلْمٌ أَوْ اُسْتُنْبِطَ , وَآرَاؤُهُمْ لَنَا أَجْمَلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت