لا أعرف حكمتك في تغريقه وعدم إنجاءه لأنك {وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} ، لما بكون به الحكم فلا يتطرق إلى حكمك نقض.
وهذا مما أدى في عتاب الله تعالى له لأنه سأل سؤالا لاينبغي أن يسأل في مقامه لأنه نبي ورسول أيضًا فعاتبه بقوله: {يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} ، لأنه لم يؤمن بك ولم يكن ممن اتبعك، ولأنه {عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} وكما جاء في قراءة {عَمِلَ غيرَ صالح} وزاد في العتاب بقوله: {فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} ، وهذا من أنواع عتاب التحذير لأن قوله تعالى: {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} يوافق ما زجر به المؤمنين في حادثة الإفك حيث قال: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا} ، إلا أنه يخلف بهم في هذا المقام كما حكى ذلك ابن العربي:"وهذه زيادة من الله تعالى وموعظة يرفع بها نوحا عن مقام الجاهلين ويعليه بها إلى مقام العلماء العاملين" [1] .
موضع العتاب من هذه الآية
قوله -تعالى-: {قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [2] ، وذلك أن نوحا لم يعلم أن سؤاله ربه نجاة ولده محظور عليه مع إصراره على الكفر حتى أعلمه الله سبحانه ذلك، فاعتذر نوح -عليه السلام- لما أعلمه الله سبحانه أنه لا يجوز له أن يسأل ذلك.
نوع العتاب في الآية:
(1) الشوكاني، محمد بن علي بن محمد، (المتوفى: 1250 هـ) ، فتح القدير، ط 1 (الناشر: دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت، 1414 هـ) ، 2/ 570 - 571.
(2) سورة هود، الآية: 46 - 47.