فأما قوله -تعالى-: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} وهذا من العتاب جاء على سبيل التربية للأمة الإسلامية حيث أمر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- بعدم التحسر والحزن على الذين لم يؤمنوا وآثر الحياة الدنيا على الآخرة، وغرهم الشيطان بغروره، كأن معنى الاية:"أفمن حسَّن له الشيطان أعماله السيئة من معاصي الله والكفر به، فأضله الله ذهبت نفسك عليه حسرة، أي تتحسر عليه والحسرة شدة الحزن على ما فات من الأمر، ومعنى الآية: لا تهتم بكفرهم وهلاكهم إن لم يؤمنوا وإن الله عليم بما يصنعون [2] ، وهذا مجال الدعوة يشمل جميع الأمة فليس المقصور على النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد قال -تعالى-: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [3] ."
وأما توضيح مذهب الذين يرون تقسيم العتاب الوارد في القرآن الموجه إلى النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى نوعين، يكون كالتالي:
(1) سورة فاطر، الآية: 8 - 10.
(2) البغوي، أبو محمد، محيي السنة، الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء، الشافعي (المتوفى: 510 هـ) ، معالم التنزيل في تفسير القرآن، ط 1، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، (الناشر: دار إحياء التراث العربي -بيروت، 1420 هـ) ، 3/ 689.
(3) سورة المائدة، الآية: 105.