يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [1] .
محل الشاهد: قوله -تعالى-: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} ، وفيه عتاب والكف والتوفيق؛ حيث بين الله -تعالى- ما يشعربه النبي -صلى الله عليه وسلم- من عدم إيمان بعض الناس وعنادهم عن قبوله، وبين له أن القدرة في إيمانهم وعدمه بيد الله، وما عليه إلا البلاغ فقط. ومثل هذا يقال لبقية الآيات، من مثل:
قوله -تعالى-: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا} [2] .
محل الشاهد: قوله -تعالى-: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا}
ومعناه: فلعلك باخع نفسك إن لم يؤمنوا بهذا الحديث غضبا وهذه معاتبة من الله عزّ ذكره على وجده بمباعدة قومه إياه فيما دعاهم إليه من الإيمان بالله، والبراءة من الآلهة والأنداد، وكان بهم رحيما [3] .
وقال ابن إسحاق:"يعاتبه [يعاتب الله النبي] على حزنه عليهم حين فاته ما كان يرجو منهم: أي لا تفعل [4] ."ولذلك أتبع بقوله: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} أي: إنا جعلنا ما على الأرض زينة للأرض
(1) سورة الشعراء، الآية: 1 - 9.
(2) سورة الكهف، الآية: 5 - 8.
(3) الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، 17/ 597.
(4) المصدر السابق، 17/ 597.