وتنافسوا في كثرتها وهم على مراتب، فمنهم من أحمالهم أثمان، ومنهم من أحماله دون ذلك على قدر همممهم وما يليق بهم، لكن هممهم مصروفة إلى تعبئة الأحمال والانتقال من المدينة.
وأقبلت فرقة أخرى على عمارة القصور في تلك المدينة والاشتغال بطيباتها ولذاتها ونزهها، وحاربوا العازمين على النقلة، وقالوا: لا ندعكم تأخذون من متاعنا شيئًا؛ فإن شاركتمونا في عمارة المدينة واستيطانها وعيشنا فيها، وإلا لم نمكنكم من النقلة، ولا من شيء من المتاع، فوقعت الحرب بينهم فقاتلوا السائرين، فعمدوا إلى أكل أموالهم وأهليهم، وما نقموا منهم إلا بسيرهم إلى دار الملك وإجابة داعيه، والرغبة عن تلك الدار متى أمرهم بتركها ..
وأقبلت فرقة أخرى على التنزه والبطالة والراحة والدعة، قالوا: لا نتعب أنفسنا في عمارها، لا ننتقل منها، ولا نعارض من أراد النقلة ولا نحاربهم ولا نعاونهم، وكان للملك فيها قصر فيه حريم له، وقد أحاط عليه سورًا وأقام عليه حرسًا، ومنع أهل المدينة من قربانه، وطاف به القاعدون فلم يجدوا فيه بابًا يدخلون منه، فغدوا على جدرانه فنقبوا ووصلوا إلى حريمه فأفسدوهم، ونالوا منهم ما أسخط الملك وأغضبه وشق عليه، ولم يقتصروا على ذلك حتى دعوا غيرهم إفساد حريمه والنيل منهم.