فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 63

لقد كثرت الاجتهادات في معرفة زمن نفخ الروح، بين علماء السلف والخلف، المحدثين والفقهاء وغيرهم، من خلال فهم الأحاديث الواردة في هذا الخصوص، التي تعددت رواياتها، واختلفت ألفاظها، ودق فهم المراد منها، حتى كاد المنصف أن يقول: إنها من قبيل المتشابه، الذي لا تصل الأفهام إلى معرفة حقيقتة، وأن الأولى التوقف عن القطع برأي فيه ·

إلا أن معرفة زمان النفخ تترتب عليه أحكام كثيرة، تتعلق بالاعتداء على الجنين، وحكم إجهاضه إذا كان هناك ما يقتضي ذلك أو لم يكن، إذ الحكم في هذه المسائل وغيرها، يختلف باختلاف المرحلة التي يكون فيها الجنين، أهي مرحلة ما قبل النفخ، أو بعده ·

وإذا نظرنا إلى حديث حذيفة] والروايات التي على نحوه، فإنا نجد أنه جاء فيه أن بعث الملك إلى الجنين الذي يكون في مرحلة النطفة بعد الأربعين، يكون لتصويره وتخليقه، بمعنى خلق سمعه وبصره وجلده، ولحمه وعظامه، وتحديد جنسه، وليس فيه ذكر لنفخ الروح من قريب أو بعيد، ومجرد تصوير الجنين وتمايز أعضائه لا يقتضي نفخ الروح ·

وإذا نظرنا إلى حديث ابن مسعود] وما كان على نحوه من الروايات، فإنا نجد أنه بين أن بعث الملك إلى الجنين، يكون بعد مروره بمراحل التخلق المختلفة، ووصوله إلى مرحلة المضغة، وأنه في هذه المرة، ينفخ فيه الروح، وقد نص على هذا صراحة في الحديث، بخلافه في حديث حذيفة ·

وليس بين الحديثين تعارض على هذا النحو، إذ يحتمل أن يكون بعث الملك مرتين، يقوم في الأولى بتصوير أعضاء الجنين، ويقوم في الثانية بنفخ الروح فيه، والأحاديث المروية في هذا الخصوص لا تمنع مثل هذا الاحتمال ·

وقد جمع ابن القيم بين حديثي حذيفة وابن مسعود، فذكر أن للتصوير أربع مراتب، وأن التصوير الخفي يبدأ في الأربعين الثانية من عمر الجنين، وأن التصوير التام الذي ليس بعده إلا نفخ الروح، يكون عند نهاية الأربعين الثالثة (1) ·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت