الآن، من تنوع الكنوز، وعجائب القوانين، دون أن يكون للإنسان ما يتجاوب به معها من الملكات، لبدا كأنه أمر خال من الحكمة، أو كأن ما في الأرض خلق لسيد آخر غير هذا الإنسان، سيد لم يأت أوانه بعد" [1] . على أن حديث الفقهاء في إحياء الموات، والتحجير، والإقطاع، والمزارعة، والمساقاة، والصيد، بل في الاحتساب على المنافع العامة، والحيوانات المملوكة، ناهيك عن الوقف، ناطق بما لا يتسع المقام للتنويه به، فضلا عن شرحه وإبراز قصده."
وفي خصوص الأوقاف والمرافق العامة يكفينا أن ننبه إلى ما ذكرناه قبل قليل من قصد البقاء ودوام الإدرار فيهما، وكلما كان ذلك مطلوبا فالوسيلة إليه مطلوبة، ف"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" [2] .
ولسنا بحاجة إلى زائد في الحديث عن وجوب تنمية الأوقاف، فقد أثرى المحدثون من علمائنا وباحثينا المكتبة الإسلامية في الآونة الأخيرة في هذا الجانب [3] أما تنمية المرافق العامة فننبه إليها بإيجاز فيما يلي:
في سياساته الأمينة ينبه ولي الله الدهلوي إلى أن"المدينة - وقصد بها الجماعة المتقاربة تجري بينها المعاملات، وإن تعدد طبقاتهم ونزلهم - شخص واحد، مركب من أجزاء وهيئة، وكل مركب يمكن أن يلحقه خلل في مادته أو صورته، ويلحقه مرض - ويعني به: حالة غيرها أليق به باعتبار نوعه، وصحة: أي حالة تُحَسِِّنُه وتُجَمِّله" [4] ومن الخلل في رأيه أن يهمل المرفق بالترك وقلة الارتفاق كأن"يبدو - من البداوة - أهل المدينة ويكتفوا بالارتفاق الأول، أو يتمدنوا في غير هذه المدينة."
أو يُعْنَى بمرفق دون مرفق ف"يكون توزعهم - أي الجماعة- في الإقبال على الأكساب بحيث يضر بالمدينة، مثل أن يقبل أكثرهم على التجارة ويدعوا الزراعة، أو يتكسب أكثرهم بالغزو ونحوه، وإنما ينبغي أن يكون الزراع بمنزلة الطُعَّام والصُنَّاع والتُجَّار والحفظة، بمنزلة الملح المصلح له."
ولصحة المجتمع يلزم"حمل التجار على الميرة، بتأنيسهم وتأليفهم، وتوصية أهل البلد أن يحسنوا المعاملة مع الغرباء، فإن ذلك يفتح باب كثرة ورودهم، وحمل الزُّرَّاع على ألا يتركوا أرضا مهملة، والصُّنَّاع على أن يحسنوا الصناعات ويتقنوها، وأهل البلد على اكتساب الفضائل، كالخط والحساب والتاريخ والطب والوجوه الصحيحة من تقدمة المعرفة" [5] .
وفي الإنفاق للتنمية يقول الماوردي"وأما المستحق في بيت المال فضربان ... الضرب الثاني: أن يكون بيت المال له مستحقا، فهو على ضربين:"
(1) الخولي. البهي. الثروة في الإسلام. ط ثالثة ص 69.
(2) في شرح القاعدة انظر لنا: دروس في أصول الفقه للمبتدئين. ط ثانية. دار النهضة العربية 1429/ 2008 ص 90 وما بعدها.
(3) ومن ذلك مثلا: بحث الأستاذ الدكتور القرداغي استثمار الوقف وطرقه القديمة والحديثة، وبحثه عن صناديق الوقف وتكييفها الشرعي، وبحثه عن تنمية موارد الأوقاف والحفاظ عليها، مجموعة بحوث الدكتور منذر قحف وبخاصة: الأساليب الحديثة في إدارة الأوقاف، وبحثه عن الإجارة المنتهية بالتمليك، وبحثه عن مفهوم التمويل في الاقتصاد الإسلامي، وبحوث الدكتور نزيه حماد في الفقه الاقتصادي المعاصر، وبحثه عن: أساليب استثمار الأوقاف وأسس إدارتها، وبحث الدكتور عبد السلام العبادي عن صور استثمار الأراضي الوقفية فقها وتطبيقا، وبحث الأستاذ الدكتور عبد الله بن موسى العمار: استثمار أموال الوقف، وبحث الشيخ محمد مختار السلامي تحت العنوان ذاته، وبحث الدكتور حسين شحاتة. استثمار الوقف، وغيرها كثير فضلا عن الندوات والفتاوى وقرارات المؤتمرات.
(4) حجة الله البالغة 1/ 92.
(5) السابق 1/ 93.