المبحث الخامس
خصائص عقد B.O.T
عقد B.O.T يشتبه بجملة من أساليب الاستثمار، المعاصرة منها، والقديمة، وإنه وإن كان تطورا لنظام الالتزام إلا أن بينهما بعض اختلافات، وفيما يلي نعرض لخصائص عقد البناء والتشغيل والإعادة في ضوء ما أوضح الشراح، على أن نتبع ذلك ببيان أوجه الفرق بينه وبين ما يشبهه:
أولا: نظام B.O.T نظام تعاقدي:
إذ ينشأ بتوافق إرادتين - أو أكثر - على إنشاء مشروع معين، بتمويل من المستثمر، على أن يكون له حق إدارته، وجني عائده، خلال فترة محددة، ثم يعيده إلى المالك في حالة جيدة تسمح باستمرار استغلاله مستقبلا، وهذا المعنى يفيد أن إرادتين اتجهتا إلى إحداث أثر معين، فتوافقتا عليه، بالصيغة المناسبة، بعد أن تراضيا على جميع أركان الاتفاق المنشئ له، وليس العقد إلا ذلك [1] .
ولا يغير من هذه الحقيقة وجود اتفاقات فرعية عديدة، كاتفاق الترخيص الذي تبرمه الإدارة مع المستثمر، وما قد يعقد بين شركة المشروع وبعض جهات الإقراض أو التمويل التي يلجأ إليها لتدبير مبالغ التمويل اللازمة، أو ما يعقد بين شركة المشروع ومقاول التشييد، أو بينها وبين شركات الصيانة، ونحو ذلك، لأن المعول عليه في الحكم هو هذا الاتفاق الذي يتم بين المستثمر (شركة المشروع) والمالك - أو نائبه - وهذا الاتفاق تتوافر فيه سمات العقد. [2] .
ثانيا: عقد B.O.T من عقود التمويل والاستثمار:
التمول في اللغة معناه: اكتساب المال، يقال: تمول الرجل: صار ذا مال [3] وفي اصطلاح الاقتصاديين يعني"التغطية المالية لأي مشروع أو عملية اقتصادية" [4] ولعل الأدق هنا أن يقال التمويل هو: تغطية نفقات أي مشروع أو عملية اقتصادية، لأن المال أعم من أن يكون نقدا أو عينا.
(1) راجع في تعريف العقد كتابنا مقدمة الشريعة الإسلامية. دراسة في الفقه الإسلامي وأبرز قواعده ونظرياته الكبرى. نشر دار النهضة العربية. القاهرة 2007 ص 373 وما بعدها. والمصادر المشار إليها فيه.
ولا ينفي الصفة التعاقدية عن اتفاق الإدارة مع شركة المشروع أن يتخذ التعبير عن الإدارة - خصوصا من جانب الإدارة أشكالا غير معهودة في العقود الخاصة البسيطة، وكما تقول محكمة القضاء الإداري المصرية في حكمها الصادر بتاريخ 23 ديسمبر 1956 فإن"التعبير عن إرادة جهة الإدارة غالبا ما يتم في شكل عملية مركبة متشابكة، وقد يكون على مراحل متعددة، في فترات متلاحقة، على حسب الأحوال، وعادة ما يسبق ذات التصرف الذي يتم بمقتضاه إبرام العقد الإداري طائفة من الإجراءات والتدابير التي تمهد وتهيئ لمولد ذلك التصرف، الذي قد تعقبه طائفة أخرى من تدابير، وإجراءات التصديق، والاعتماد اللازم لإبرام العقد، وتكون مكملة له، مستهدفة إعمال أحكامه، وتطبيق بنوده ... إلخ. نقلا عن د. الشهاوي ص 146، وهذا الحكم ينسجم تمام الانسجام مع قول شيخ الإسلام ابن تيمية في أن العقد ينعقد عند كل قوم بما يفهمونه بينهم من الصيغ، وليس لذلك حد مستمر، لا في شرع، ولا في لغة، ولا يجب على الناس التزام نوع معين من الاصطلاحات في المعاملات، ولا يحرم عليهم التعاقد بغير ما يتعاقد به غيرهم، إذا كان ما تعاقدوا به دالا على مقصودهم". الفتاوى. نشر دار الغد العربي. ط أولى 3/ 301 وما بعدها، الشوكاني. محمد بن علي. السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار. ط المجلس الأعلى للشئون الإسلامية 2/ 265.
(2) انظر: أستاذنا الدكتور أنس جعفر ص 83، د. أحمد سلامة بدر. العقود الإدارية وعقد B.O.T ص 372 - 374، د. إبراهيم الشهاوي ص 131،وما بعدها، د. ماهر محمد حامد ص 43 وما بعدها.
(3) انظر: لسان العرب لابن منظور، المصباح المنير للفيومي، مادة (م و ل) .
(4) فقه استثمار الوقف وتمويله. رسالة ص 113.